والله ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها منه ولا أحق ، ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته ،
فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال : فما ردت عليه جوابا .
قال . وقد روى من طرق مختلفه أن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة ، قالت :
أبعده الله ! ذلك بما قدمت يداه ، وما الله بظلام للعبيد .
قال : وقد روى قيس بن أبي حازم أنه حج في العام الذي قتل فيه عثمان وكان مع عائشة
لما بلغها قتله ، فتحمل إلى المدينة ، قال : فسمعها تقول في بعض الطريق : إيه ذا الإصبع !
وإذا ذكرت عثمان قالت : أبعده الله ! حتى أتاها خبر بيعة على ، فقالت : لوددت أن
هذه وقعت على هذه ، ثم أمرت برد ركائبها إلى مكة فردت معها ، ورأيتها في سيرها إلى
مكة تخاطب نفسها ، كأنها تخاطب أحدا : قتلوا ابن عفان مظلوما ! فقلت لها : يا أم المؤمنين ،
ألم أسمعك آنفا تقولين : أبعده الله وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا !
فقالت : لقد كان ذلك ، ولكني نظرت في أمره ، فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة
البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه .
قال : وروى من طرق أخرى أنها قالت لما بلغها قتله ، أبعده الله ! قتله ذنبه ، وأقاده الله
بعمله ! يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان ، كما سام أحمر ثمود قومه ، إن أحق
الناس بهذا الامر ذو الإصبع ، فلما جاءت الاخبار ببيعة علي عليه السلام ، قالت : تعسوا
تعسوا ! لا يردون الامر في تيم أبدا .
كتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتابا : أن خذلي الناس عن بيعة على ،
وأظهري الطلب بدم عثمان ، وحملا الكتاب مع ابن أختها عبد الله بن الزبير ، فلما قرأت
الكتاب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان ، وكانت أم سلمة رضي الله عنها بمكة في ذلك
العام ، فلما رأت صنع عائشة ، قابلتها بنقيض ذلك ، وأظهرت موالاة علي عليه السلام
ونصرته على مقتضى العداوة المركوزة في طباع الصرتين .
شرح نهج البلاغة — صفحة 216
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٢١٦