قال أبو البركات : وحكاياتها أكثر من أن تعد ، وعند كل أحد من الناس من
حديثها ما ليس عند الآخر ، لأنها كانت تقول من ذلك على الاتصال لشخص شخص
جوابا بحسب السؤال .
قال : وما زلت أقول : إن من يأتي بعدنا لا يصدق ما رأيناه منها ، فإن قلت لي :
أريد أن تفيدني العلة في معرفة المغيبات هذه ؟ قلت : لك العلة التي تصلح في جواب ( لم ) في
نسبة المحمول إلى الموضوع ، تكون الحد الأوسط في القياس وهذه فالعلة الفاعلة الموجبة
لذلك فيها هي نفسها بقوتها وخاصتها ، فما الذي أقوله في هذا ! وهل لي أن أجعل ما ليس
بعلة علة !
واعلم أنا لا ننكر أن يكون في نوع البشر أشخاص يخبرون عن الغيوب ، ولكن
كل ذلك مستند إلى الباري سبحانه بإقداره وتمكينه وتهيئة أسبابه ، فإن كان المخبر عن
الغيوب ممن يدعى النبوة لم يجز أن يكون ذلك إلا بأذن الله سبحانه وتمكينه ، وأن يريد به تعالى استدلال المكلفين على صدق مدعى النبوة ، لأنه لو كان كاذبا لكان يجوز أن
يمكن الله تعالى الجن من تعليمه ذلك إضلالا للمكلفين ، وكذلك لا يجوز أن يمكن سبحانه
الكاذب في ادعاء النبوة من الاخبار عن الغيب بطريق السحر ، وتسخير الكواكب
والطلسمات ، ولا بالزجر ، ولا بالقيافة ، ولا بغير ذلك من الطرق المذكورة ، لما فيه من
استفساد البشر وإغوائهم .
وأما إذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدعيا للنبوة ، نظر في حاله ، فإن كان ذلك من
الصالحين الأتقياء نسب ذلك إلى أنه كرامة أظهرها الله تعالى على يده ، إبانة له وتمييزا
شرح نهج البلاغة — صفحة 12
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص١٢