دخل عبد الوارث بن سعيد على مريض يعوده ، فقال له : ما نمت منذ أربعين ليله ،
فقال : يا هذا ، أحصيت ليالي البلاء ، فهل أحصيت ليالي الرخاء !
بعضهم : وا عجباه لمن يفرح بالدنيا ، فإنما هي عقوبة ذنب !
ابن السماك : خف الله حتى كأنك لم تطعه قط ، وارجه حتى كأنك لم تعصه قط .
بعضهم : العلماء أطباء هذا الخلق ، والدنيا داء هذا الخلق ، فإذا كان الطبيب يطلب
الداء فمتى يبرئ غيره .
قيل لمحمد بن واسع : فلان زاهد ، قال : وما قدر الدنيا حتى يحمد من يزهد فيها ؟
رئي عبد الله بن المبارك واقفا بين مقبرة ومزبلة ، فقيل له : ما أوقفك ؟ قال
أنا بين
كنزين من كنوز الدنيا فيهما عبرة : هذا كنز الأموال ، وهذا كنز الرجال .
قيل لبعضهم : أتعبت نفسك ، فقال : راحتها أطلب .
دخل الإسكندر مدينة فتحها ، فسأل عمن بقي من أولاد الملوك بها ، فقيل : رجل يسكن
المقابر ، فدعا به ، فقال : ما دعاك إلى لزوم هذه المقابر ؟ فقال : أحببت أن أميز بين عظام
الملوك ، وعظام عبيدهم ، فوجدتها سواء . فقال : هل لك أن تتبعني فأحيي شرفك وشرف
آبائك ، إن كانت لك همة ! قال : همتي عظيمة ، قال : وما همتك ؟ قال : حياة لا موت
معها ، وشباب لا هرم معه ، وغنى لا فقر معه ، وسرور لا مكروه معه ، فقال : ليس هذا
عندي ، قال : فدعني التمسه ممن هو عنده .
مات ابن لعمر بن ذر ، فقال : لقد شغلني الحزن لك يا بني عن الحزن عليك .
كان يقال : من هوان الدنيا على الله ألا يعصى إلا فيها ، ولا ينال ما عنده
إلا بتركها .
ومن كلام عبد الله بن شداد : أرى دواعي الموت لا تقلع ، وأرى من مضى لا يرجع ،
شرح نهج البلاغة — صفحة 99
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٩٩