وقال بعض الحكماء - وقد استوصف الدنيا وقدر بقائها - : الدنيا وقتك الذي يرجع
إليه طرفك ، لان ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه ، وما لم يأت فلا علم لك به ، والدهر
يوم مقبل تنعاه ليلته ، وتطويه ساعاته ، وأحداثه تتوالى على الانسان ، بالتغيير والنقصان ،
والدهر موكل بتشتيت الجماعات ، وانخرام الشمل ، وتنقل الدول ، والأمل طويل ، والعمر
قصير ، وإلى الله تصير الأمور .
وقال بعض الفضلاء : الدنيا سريعة الفناء ، قريبة الانقضاء ، تعد بالبقاء ، وتخلف
في الوفاء ، تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة ، وهي سائرة سيرا عنيفا ، ومرتحلة ارتحالا
سريعا ، ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها ، وإنما يحس بذلك بعد
انقضائها ، ومثالها الظل : فإنه متحرك ساكن ، متحرك في الحقيقة ، وساكن في الظاهر ،
لا تدرك حركته بالبصر الظاهر ، بل بالبصيرة الباطنة .
شرح نهج البلاغة — صفحة 297
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٢٩٧