في القوم غلام من قريش جالسا ، فتحمل الكلمة إلى معاوية ، فقال معاوية : أنت سمعت
هانئا يقولها ؟ قال : نعم ، قال : فأخرج فأت حلقته ، فإذا خف الناس عنه فقل
له : أيها الشيخ ، قد وصلت كلمتك إلى معاوية ، ولست في زمن أبى بكر وعمر ،
ولا أحب أن تتكلم بهذا الكلام فإنهم بنو أمية ، وقد عرفت جرأتهم
وإقدامهم ، ولم يدعني إلى هذا القول لك إلا النصيحة والاشفاق عليك ، فانظر
ما يقول ، فأتني به .
فأقبل الفتى إلى مجلس هانئ ، فلما خف من عنده دنا منه فقص عليه الكلام وأخرجه
مخرج النصيحة له ، فقال هانئ : والله يا بن أخي ما بلغت نصيحتك كل ما أسمع ،
وإن هذا الكلام لكلام معاوية أعرفه ! فقال الفتى : وما أنا ومعاوية ! والله ما يعرفني ،
قال : فلا عليك ، إذا لقيته فقل له : يقول لك هانئ : والله ما إلى ذلك من سبيل ، انهض
يا بن أخي راشدا !
فقام الفتى فدخل على معاوية فأعلمه ، فقال : نستعين بالله عليه .
ثم قال معاوية بعد أيام للوفد : ارفعوا حوائجكم - وهانئ فيهم - فعرض عليه كتابه
فيه ذكر حوائجه ، فقال : يا هانئ ، ما أراك صنعت شيئا ، زد فقام ، هانئ فلم يدع حاجة
عرضت له إلا وذكرها ، ثم عرض عليه الكتاب فقال : أراك قصرت فيما طلبت ، زد ،
فقام هانئ فلم يدع حاجة لقومه ولا لأهل مصره إلا ذكرها ، ثم عرض عليه الكتاب ،
فقال : ما صنعت شيئا ، زد ، فقال : يا أمير المؤمنين ، حاجة بقيت ، قال : ما هي ؟ قال :
أن أتولى أخذ البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بالعراق ، قال : افعل ، فما زلت لمثل ذلك
أهلا ، فلما قدم هانئ العراق قام بأمر البيعة ليزيد بمعونة من المغيرة بن شعبة وهو الوالي
بالعراق يومئذ .
شرح نهج البلاغة — صفحة 408
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٤٠٨