فقال : كلوا وأكل معهم ، فقلت إنه لهو ، فأكببت عليه أقبله وأبكى ، فقال : مالك ؟
فقصصت عليه القصة فأعجبه ، ثم قال : يا سلمان ، كاتب صاحبك ، فكاتبته على
ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) للأنصار : " أعينوا أخاكم " ،
فأعانوني بالنخل حتى جمعت ثلاثمائة ودية ، فوضعها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيده ، فصحت كلها ، وأتاه مال من بعض المغازي ، فأعطاني منه ، وقال : أد كتابتك ، فأديت وعتقت .
وكان سلمان من شيعة على ( عليه السلام ) وخاصته ، وتزعم الامامية إنه أحد الأربعة
الذين حلقوا رؤوسهم وأتوه متقلدي سيوفهم في خبر يطول ، وليس هذا موضع ذكره وأصحابنا لا يخالفونهم في أن سلمان كان من الشيعة ، وإنما يخالفونهم في أمر أزيد من ذلك ،
وما يذكره المحدثون من قوله للمسلمين يوم السقيفة : كرديد ونكرديد محمول عند أصحابنا
على أن المراد صنعتم شيئا وما صنعتم ، أي استخلفتم خليفة ونعم ما فعلتم ، إلا أنكم عدلتم
عن أهل البيت ، ، فلو كان الخليفة منهم كان أولى والامامية تقول : معناه : " أسلمتم
وما أسلمتم واللفظة المذكورة في الفارسية لا تعطى هذا المعنى ، وإنما تدل على الفعل والعمل لا غير ، ويدل على صحة قول أصحابنا أن سلمان عمل لعمر على المدائن ، فلو كان
ما تنسبه الامامية إليه حقا لم يعمل له .
فأما ألفاظ الفصل ومعانيه فظاهرة ، ومما يناسب مضمونه قول بعض الحكماء :
تعز عن الشئ إذا منعته ، بقلة صحبته لك إذا أعطيته .
وكان يقال : الهالك على الدنيا رجلان : رجل نافس في عزها ، ورجل أنف
من ذلها .
شرح نهج البلاغة — صفحة 39
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٣٩