وجاريته أن يقتلاه بحديد أو سم ، وهو مع ذلك عاجز عن استدامة سلامة عقله من زوال ،
وسمعه من صمم ، وبصره من عمى ، ولسانه من خرس ، وسائر جوارحه من زمانة ، ونفسه
من تلف ، وماله من بوار ، وحبيبه من فراق ، وكل ذلك يشهد شهادة قطعية أنه فقير
إلى ربه ، ذليل في قبضته ، محتاج إليه . لا يزال المرء بخير ما حاسب نفسه ، وعمر آخرته
بتخريب دنياه ، وإذا اعترضته بحار المكاره ، جعل معابرها الصبر والتأسي ، ولم يغتر بتتابع
النعم ، وإبطاء حلول النقم ، وأدام صحبة التقى ، وفطم النفس عن الهوى ، فإنما حياته كبضاعة
ينفق من رأس المال منها ، ولا يمكنه أن يزيد فيها ، ومثل ذلك يوشك فناؤه
وسرعة زواله .
وقال أبو العتاهية في ذكر الموت :
ستباشر الترباء خدك * وسيضحك الباكون بعدك ( 1 )
ولينزلن بك البلى * وليخلفن الموت عهدك
وليفنينك مثل ما ( 2 ) * أفنى أباك بلى وجدك ( 3 )
لو قد رحلت عن القصور * وطيبها وسكنت لحدك ( 4 )
لم تنتفع إلا بفعل * صالح قد كان عندك
هامش
( 1 ) ديوانه 86 ، 87 ، والترباء : التراب ، ورواية الديوان :
* لتباشر الأجداث وحدك *
( 2 ) الديوان : " بالذي " .
( 3 ) الديوان : " به وجدك " .
( 4 ) الديوان :
لو قد ظعنت عن البيوت * ودوحها وسكنت لحدك