( 22 )
بقدوم الشتاء وإن كان لا بد من قدومه ، والمحموم غبا ( 1 ) يساء بتجدد نوبة الحمى ، وإن
كان لا بد من تجددها ! فليس سبب الاختيار في الافعال مما يوجب أن لا يسر الانسان
ولا يساء بشئ منها .
والجواب ينبغي أن يحمل هذا الكلام على أن الانسان ينبغي أن لا يعتقد في الرزق
أنه أتاه بسعيه وحركته فيفرح معجبا بنفسه ، معتقدا أن ذلك الرزق ثمرة حركته
واجتهاده ، وكذلك ينبغي ألا يساء بفوات ما يفوته من المنافع لائما نفسه في ذلك
ناسبا لها إلى التقصير وفساد الحيلة والاجتهاد ، لان الرزق هو من الله تعالى لا أثر للحركة
فيه ، وإن وقع عندها ، وعلى هذا التأويل ينبغي أن يحمل قوله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله
يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) ( 2 ) .
من النظم الجيد الروحاني في صفة الدنيا والتحذير منها والوصاة بترك الاغترار بها ،
والعمل لما بعدها ، ما أورده أبو حيان في كتاب " الإشارات الإلهية " ولم يسم
قائله :
دار الفجائع والهموم ودار * البث والأحزان والبلوى
مر المذاقة غب ما احتلبت * منها يداك وبية المرعى
بينا الفتى منها بمنزلة * إذ صار تحت ترابها ملقى
تقفو مساويها محاسنها * لا شئ بين النعي والبشري
ولقل يوم ذر شارقه * إلا سمعت بهالك ينعى
لا تعتبن على الزمان لما * يأتي به فلقلما يرضى
هامش
( 1 ) الغب من الحمى : ما تأخذ يوما وتدع يوما .
( 2 ) سورة الحديد 22 ، 23 .