وهي قوله عليه السلام ( وكل قائم فيما سواه معلول ) لأنها للاعراض خاصة ، فيدخل
أحد مدلول الفقرتين في الأخرى ، فيختل النظم .
قلت يريد عليه السلام بالفقرة الأولى كل معروف بنفسه من طريق المشاهدة
مستقلا بذاته ، غير مفتقر في تقومه إلى غيره فهو مصنوع ، وهذا يختص بالأجسام
خاصة ، ولا يدخل الألوان وغيرها من الاعراض فيه ، لأنها متقومة بمحالها .
وخامسها قوله ( وكل قائم في سواه معلول ) ، أي وكل شئ يتقوم بغيره فهو
معلول ، وهذا حق لا محالة ، كالأعراض ; لأنها لو كانت واجبة لاستغنت في تقومها عن
سواها ، لكنها مفتقرة إلى المحل الذي يتقوم به ذواتها ; فإذا هي معلولة ، لان كل
مفتقر إلى الغير فهو ممكن فلا بد له من مؤثر .
وسادسها قوله ( فاعل لا باضطراب آلة ) هذا لبيان الفرق بينه وبيننا ، فإننا
نفعل بالآلات وهو سبحانه قادر لذاته فاستغنى عن الآلة .
وسابعها قوله ( مقدر لا بجول فكرة ) ، هذا أيضا للفرق بيننا وبينه ، لأنا إذا
قدرنا أجلنا أفكارنا ، وترددت بنا الدواعي ، وهو سبحانه يقدر الأشياء على
خلاف ذلك .
وثامنها قوله ( غنى لا باستفادة ) ، هذا أيضا للفرق بيننا وبينه ، لان الغنى منا
من يستفيد الغنى بسبب خارجي ، وهو سبحانه غني بذاته من غير استفادة أمر يصير به
غنيا ، والمراد بكونه غنيا أن كل شئ من الأشياء يحتاج إليه ، وانه سبحانه لا يحتاج إلى
شئ من الأشياء أصلا .
وتاسعها قوله ( لا تصحبه الأوقات ) ، هذا بحث شريف جدا ، وذلك لأنه سبحانه
ليس بزمان ولا قابل للحركة ، فذاته فوق الزمان والدهر ; اما المتكلمون فإنهم يقولون :
شرح نهج البلاغة — صفحة 71
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٧١