تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
يتغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك ، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقون به التأديب ، كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤديه إليه نظره ، ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يرى ذلك ، وكان يقف مع النصوص والظواهر ، ولا يتعداها إلى الاجتهاد والأقيسة ، ويطبق أمور الدنيا على أمور الدين ، ويسوق الكل مساقا واحدا ، ولا يضيع ولا يرفع إلا بالكتاب والنص ، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة ، وكان عمر مع ذلك شديد الغلظة والسياسة ، وكان علي عليه السلام كثير الحلم والصفح والتجاوز ، فازدادت خلافة ذاك قوة ، وخلافة هذا لينا ، ولم يمن عمر بما منى به علي عليه السلام من فتنة عثمان ، التي أحوجته إلى مداراة أصحابه وجنده ومقاربتهم ، للاضطراب الواقع بطريق تلك الفتنة ، ثم تلا ذلك فتنة الجمل ، وفتنة صفين ثم فتنة النهروان ، وكل هذه الأمور مؤثرة في اضطراب أمر الوالي وانحلال معاقد ملكه ، ولم يتفق لعمر شئ من ذلك ، فشتان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة وصحة تدبير الخلافة . ! فإن قلت : فما قولك في سياسة الرسول صلى الله عليه وآله وتدبيره ؟ أليس كان منتظما سديدا مع أنه كان لا يعمل إلا بالنصوص والتوقيف من الوحي ! فهلا كان تدبير علي عليه السلام وسياسته كذلك ! إذا قلتم : أنه كان لا يعمل إلا بالنص ، قلت : أما سياسة رسول الله صلى الله عليه وآله وتدبيره فخارج عما نحن فيه ، لأنه معصوم لا تتطرق الغفلة إلى أفعاله ، ولا واحد من هذين الرجلين بواجب العصمة عندنا . وأيضا فإن كثيرا من الناس ذهبوا إلى أن الله تعالى أذن للرسول صلى الله عليه وآله أن يحكم في الشرعيات وغيرها برأيه ، وقال له : احكم بما تراه ، فإنك لا تحكم إلا بالحق ، وهذا مذهب يونس بن عمران ، وعلى هذا فقد سقط السؤال ، لأنه صلى الله عليه وآله يعمل بما يراه من المصلحة ، ولا ينتظر الوحي . وأيضا فبتقدير فساد هذا المذهب ، أليس قد ذهب خلق كثير من علماء أصول الفقه إلى أن الرسول صلى الله عليه وآله كان يجوز ( 1 ) له أن يجتهد في الاحكام والتدبير ، كما يجتهد
هامش
( 1 ) ساقط من ب .