تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
( سياسة علي وجريها على سياسة الرسول عليه السلام ) واعلم أن قوما ممن لم يعرف حقيقة فضل أمير المؤمنين عليه السلام ، زعموا أن عمر كان أسوس منه ، وإن كان هو أعلم من عمر ، وصرح الرئيس أبو علي بن سينا بذلك في ( الشفاء ) في الحكمة ، وكان شيخنا أبو الحسين ( 1 ) يميل إلى هذا ، وقد عرض به في كتاب ( الغرر ) ، ثم زعم أعداؤه ومباغضوه أن معاوية كان أسوس منه وأصح تدبيرا ، وقد سبق لنا بحث قديم في هذا الكتاب في بيان حسن سياسة أمير المؤمنين عليه السلام وصحة تدبيره ، ونحن نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك مما يليق بهذا الفصل الذي نحن في شرحه . اعلم أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة إلا إذا كان يعمل برأيه ، وبما يرى فيه صلاح ملكه ، وتمهيد أمره ، وتوطيد قاعدته ، سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها ، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه ، فبعيد أن ينتظم أمره ، أو يستوثق حاله ، وأمير المؤمنين كان مقيدا بقيود الشريعة ، مدفوعا إلى اتباعها ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقا ، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك ، ولسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطاب ، ولا ناسبين إليه ما هو منزه عنه ، ولكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة ، ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء وبالاستنباط من أصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص ، ويكيد خصمه ، ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة ، ويؤدب بالدرة والسوط من
هامش
( 1 ) هو كتاب الغرر لأبي الحسين البصري ، في أصول الكلام ، شرحه المؤلف ، وسماه ( شرح مشكلات الغرر ) ، ذكره صاحب روضات الجنات .