و هذا القول مجاز ، و المراد ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبيّ يداوم تلاوة القرآن ، فيجعله دأبه و ديدنه ، و هِجِيراه و شغله ، كما يجعل غيره الغناء مُسْتَرْوح حزنه ، و مستفسَح قلبه ، ليس أنّ هناك غِنَاء به على الحقيقة . و هذا كما يقول القائل : قد جعل فلان الصوم لذَته و الصلاة طربته ، إذا أقامهما مقام شغل غيره باللذّات ، و طربه إلى المستحسنات . و قد قيل : إنّ المراد بذلك تحزين القراءة ليكون أَشجى للسامع ، و آخذ بقلب العارف ، فسمّى هذه الطريقة غناء على الاتساع لأنّها تقود أزمّة القلوب ، و تستميل نوازع النفوس . و إلى ذلك ذهب ( عليه الصلاة و السلام ) بقوله : « زَيِنُوا أَصوَاتَكُمْ بالقُرآنِ » في حديث آخر . و ليس المراد بذلك تلحين القراءة و تطريبها ، فإنّ الأخبار قد وردت بذمّ هذه الطريقة ، حتّى ذكر ( عليه الصلاة و السلام ) في أشراط الساعة اموراً عددها ، ثمّ قال : « و أنْ يُتَخذَ القرآنُ مزامير » . و قال بعضهم : معنى « يتغنّى بالقرآن » أي يذكر القرآن ، من قولهم : تغنى فلان بفلان إذا ذكره في شعره ، إمّا هجاء و إمّا مدحاً . فأمّا الحديث الآخر و هو قوله ( عليه الصلاة و السلام ) : « لَيْسَ مِنَا مَنْ لَمْ يَتَغَنَ بالقُرْآنِ » فليس المراد به هذا المعنى ، و إنّما أراد ( عليه الصلاة و السلام ) ليس منّا من لم يستغن بالقرآن عما سواه ، و تغنّى هاهنا بمعنى استغنى ، و هو تفعُل من الاستغناء لا من الغِناء . قال العَجَاج :
أَرى الغواني قد غَنِينَ عَنِي
و قلن لي عليك بالتَغَنِي
أي استغنين عنّي و قلن لي : استغن عنّا كما استغنينا عنك . و هذا عند موت الشباب ، و انقضاء الآراب . و يؤكد ذلك الحديثُ الآخرُ و هو قوله ( عليه الصلاة و السلام ) : « من قرأ القرآن فرأى أنّ أحداً