والحاصل أن الخبرين إما مطرحان وإما مؤلان ، وأن الحكم لا ينقض ،
وأنه لا ضمان على الشاهدين مع دخول الزوج ، وأما ضمانهما نصف المهر
إن كان شهادتهما قبل الدخول فهو صريح المحقق والعلامة في القواعد وغيرهما
ولم يذكر أحد منهم دليلا تطمئن إليه النفس لضمان الشاهدين نصف المهر
حينئذ ( 1 ) .
هامش
( 1 ) أقول توضيحا للمسألة وتحريرا لمواضع الخلاف فيها :
أولا : أنه قد اختلفت عبارات الأصحاب في عنوان هذه المسألة ، فالمحقق
في المتن يقول : إذا شهدا بالطلاق ثم رجعا ، فإن كان بعد الدخول لم يضمنا ،
وإن كان قبل الدخول ضمنا له نصف المهر المسمى ، لأنهما لا يضمنان إلا ما
دفعه المشهود عليه بسبب الشهادة " هذه عبارته ولا تعرض فيها لحكم الحاكم
ولا لخلاف للشيخ ، مع أن من عادته التعرض لأقوال الشيخ كما هو معلوم .
وفي النافع يقول : لو شهدا بطلاق امرأة فتزوجت ثم رجعا ، ضمنا المهر
وردت إلى الأول بعد الاعتداد من الثاني . وتحمل هذه الرواية على أنها
نكحت بسماع الشهادة لا مع حكم الحاكم ، ولو حكم لم يقبل الرجوع " فتراه
يورد أولا مضمون صحيحة محمد بن مسلم فيحملها على المحمل المذكور ،
ثم ينص على أنه لو حكم الحاكم لم يقبل الرجوع ، ولا تعرض في كلامه
لحكم الضمان .
والعلامة في التحرير يقول : لو شهدا بطلاق امرأة رجعا أو رجع
أحدهما قبل الحكم بطلت شهادتهما وبقيت على الزوجية ، وإن رجعا بعد
الحكم ، فإن كان ذلك قبل الدخول . . " فتراه يفصل في العنوان بين الرجوع
قبل الحكم والرجوع بعده ، ويجعل التفصيل بين ما إذا كان بعد الدخول أو قبله
متفرعا على الصورة الثانية ، ومن هنا أضاف في المسالك والجواهر قيد
" وحكم به الحاكم " إلى عبارة الشرائع . فيكون عنوان هؤلاء للمسألة هو :
رجوع الشاهدين بعد الحكم بشهادتهما بثبوت الطلاق عن الشهادة .
أما الشيخ فقد أوردنا عباراته في النهاية والخلاف والمبسوط ، وكذلك
أوردها العلامة في المختلف ، والملاحظ أن عنوانه للمسألة في الخلاف
والمبسوط يختلف عما هو في النهاية . أما في الكتابين فقد تعرض ل " حكم
الحاكم " وأما في النهاية فجاءت عبارته مطابقة للنص كما هو حال هذا
الكتاب غالبا والنص أما صحيحة محمد بن مسلم وأما موثقة إبراهيم بن عبد
الحميد ، وكلاهما خال عن " الحكم " . بل المراد تزوج المرأة بشهادتهما ثم
رجوعهما عن الشهادة وقد تزوجت بزوج آخر ، والخبران ظاهران في هذا ،
وقد أفتى المحقق في النافع بهما كما علمت .
فظهر أن الشيخ غير مخالف في النهاية في مفروض القوم ، وما في الجواهر
من قوله : " بلا خلاف أجده في شئ من ذلك إلا ما يحكى عن الشيخ في
النهاية . " في غير محله . بل تلك مسألة أخرى . كما ظهر أن عبارة النهاية
والخبرين ظاهرة في تلك المسألة ، ولا حاجة إلى حملها عليها .
ثم إنه قد نسب إلى الكليني والصدوق والقاضي والحلبي موافقة الشيخ
فيما عنونه وذهب إليه في النهاية ، فالخبران معمول بهما عند قدماء الأصحاب
لا معرض عنهما . وقد عرفت عبارة المحقق في النافع .
ثم إني بعد أن كتبت هذا راجعت مباني تكملة المنهاج فوجدته دام ظله
قد عنون في متنه المسألة بقوله : " إذا أنكر الزوج طلاق زوجته وهي مدعية
له ، وشهد شاهدان بطلاقها ، فحكم الحاكم به ثم رجعا وأظهرا خطأهما فإن
كان بعد الدخول . . " ثم عنون مسألة النهاية بقوله : " إذا شهد شاهدان بطلاق
امرأة زورا ، فاعتدت المرأة وتزوجت زوجا آخر مستندة إلى شهادتهما ، فجاء
الزوج وأنكر الطلاق . . " واستدل على الحكم فيها بموثقة إبراهيم بن عبد
الحميد واصفا إياها بالصحيحة على مبناه .
وثانيا : أن الحكم بعدم انتقاض الحكم برجوع الشاهدين بعده غير صاف
عن الاشكال ، ففي الكفاية : وإن رجعا بعد حكم الحاكم بالمفارقة فالمقطوع
به في كلامهم أنه لا ينتقض الحكم بل يثبت الطلاق ، لأنه ثبت بالبينة المقبولة
وحكم به الحاكم بالقضاء المبرم ، فلا يبطل بمجرد رجوع الشهود المحتمل
للصحة والفساد ، فإن الثابت بدليل شرعي لا ينتقض إلا بدليل شرعي . قال : وفي
التعليل تأمل .
بل قال في المستند بناءا على ظهور الخبرين في انتقاض الحكم كما
ذكر القوم ، ولذا قالوا بأنهما مخالفان للقواعد المحكمة " أي دليل شرعي
أقوى من الصحيح والموثق ، الموافقين لفتوى جمع من أساطين القدماء ،
وغير المخالفين لفتوى جمع من المتأخرين ، حيث ترددوا في المسألة مع
نقل أقوال أخر فيها أيضا عن جماعة ؟ وهل يطلق على مثل ذلك الحديث الشاذ
النادر ؟ وهل ذلك الدليل أضعف من حديث درء الحدود بالشبهات الذي نقضوا
به الحكم المبرم في الحدود كما مر ؟ مع أنه يمكن الكلام في تعيين الشبهة
وصدقها في المورد .
ولعله من هنا قال في جامع المدارك : إن ما في المتن من أنه إذا كان ما ذكر
بعد الحكم لم يقبل الرجوع مشكل جدا ، حيث إن النكاح ليس من قبل الأموال ،
فإن المحكوم عليه فيها مع قطعه بأن الحكم على خلاف الواقع لا بد له من
التسليم في الظاهر ، والمرأة كيف يجوز لها أن تمكن نفسها للأجنبي ، بل
يشكل تسليم من حكم عليه بالقتل نفسه للقتل مع رجوع من شهد ، بل مع
عدم الرجوع وكون المحكوم عليه غير مستوجب للقتل .
وثالثا : ما ذهب إليه المحقق في المتن من وجوب نصف المهر على الشاهدين
إن كانت شهادتهما قبل دخول الزوج منسوب إلى الأكثر في المستند وإلى المشهور
في مباني التكملة ، لكنه غير خال عن الاشكال ، فالعلامة في التحرير وإن
وافق عليه بالتالي إلا أنه أشكل عليه بقوله : عندي في هذه المسألة اشكال ،
ينشأ من كون الرجوع إنما يثبت على الشاهد فيما يتلفه بشهادته ، ووجوب نصف
المهر قبل الدخول أو المهر بعده لم يتلف من الزوج شيئا ، لأنه واجب عليه ،
سواء طلق أو لم يطلق . .
وصاحب الجواهر ظاهره التردد فيه . قال في المستند : وهو في موقعه
جدا ، للزوم النصف بمجرد العقد وتلفه به ، سواء كانت باقية على التزويج أو
حصل موت أو طلاق ، فلم تتضمن الشهادة اتلافا . وتوجيه الاتلاف بأنه
كان في معرض السقوط بالردة أو الفسخ من قبلها فكأنه لم يكن لازما ولزم
باقرارهما . نادر جدا . لأن مجرد ذلك الاحتمال العقلي الذي لا يلتفت إليه عقل
سليم لا يصدق الاتلاف الموجب للضمان عرفا ، بل غايته احتمال اتلاف ضعيف
غايته ، وهل يترك أصل البراءة التي هي القاعدة المجمع عليها المدلول عليها كتابا
وسنة بمثل ذلك الاحتمال ؟
فإن قلت : الزام ما هو محتمل السقوط ولو بالاحتمال الضعيف أيضا ضرر
عليه .
قلنا : لو سلم ذلك فاللازم ضمان ما يصلح أن يكون بإزاء ذلك الضرر
عرفا وقيمة له ، لا نصف الصداق ، مع أنها قد تكون قد أبرأته عن النصف ،
أو تصالحه بشئ قليل بعد الصداق ، فالقول بضمان نصف الصداق مشكل .
وتوهم الاجماع المركب فيه بعد وجود أقوال شتى في المسألة ولو كان بعضها
ضعيف المأخذ فاسد ، والأصل يحتاج رفعه إلى دليل ثابت ، وإلا فهو أقوى
دليل .
وفي مباني تكملة المنهاج : الأظهر عدم الضمان خلافا للمشهور ، ثم
استدل بما ذكره النراقي .
أما السيد الأستاذ دام ظله فقد استشكل فيما ذكر وجها للمشهور بل أعله ،
لكنه كالجواهر يأبى عن مخالفة المشهور .