هذه بلايا تمنتها يد الغلو في الفضائل ، منيت بها الأمة ، وطمست تحت أطباقها
حقايق العلم والدين ، وانطمست بها أنوار الهداية ، وستعرف أنها روايات مختلقة زيفتها
نظارة التنقيب ولا يصح منها شئ ، غير أن المفتي دحلان على مطمار قومه أرسلها
إرسال المسلم ، وموهها على أغرار الملأ الديني ، ولا يجد عن سردها منتدحا ، ذلك
مبلغهم من العلم إن هم إلا يظنون ، ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر
والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا .
* ( الفتنة الكبرى ) *
واقرأ صحيفة من " الفتنة الكبرى " للدكتور طه حسين قال في بدء كتابه . هذا
حديث أريد أن أخلصه للحق ما وسعني إخلاصه للحق وحده ، وأن أتحرى فيه الصواب
ما استطعت إلى تحري الصواب سبيلا ، وأن أحمل نفسي فيه على الانصاف لا أحيد عنه
ولا أمالئ فيه حزبا من أحزاب المسلمين على حزب ، ولا أشايع فيه فريقا من الذين
اختصموا في قضية عثمان دون فريق ، فلست عثماني الهوى ، ولست شيعة لعلي ،
ولست أفكر في هذه القضية كما كان يفكر فيها الذين حاصروا عثمان واحتملوا معه
ثقلها وجنوا معه أو بعده نتائجها .
وأنا أعلم أن الناس ما زالوا ينقسمون في أمر هذه القضية إلى الآن كما كانوا
ينقسمون فيها أيام عثمان رحمه الله ، فمنهم العثماني الذي لا يعدل بعثمان أحدا من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم بعد الشيخين ، ومنهم الشيعي الذي لا يعدل بعلي رحمه الله بعد النبي أحدا
لا يستثني الشيخين ولا يكاد يرجو لمكانهما وقارا ، ومنهم من يتردد بين هذا وذاك
يقتصد في عثمانيته شيئا ، أو يقتصد في تشيعه لعلي شيئا ، فيعرف لأصحاب النبي مكانتهم
ويعرف لأصحاب السابقة منهم سابقتهم ، ثم لا يفضل بعد ذلك أحدا منهم على الآخر
يرى أنهم جميعا قد اجتهدوا ونصحوا لله ولرسوله وللمسلمين ، فأخطأ منهم من أخطأ
وأصاب منهم من أصاب ، ولأولئك وهؤلاء أجرهم لأنهم لم يتعمدوا خطيئة ولم يقصدوا
إلى إساءة ، وكل هؤلاء إنما يرون آراءهم هذه يستمسكون بها ويذودون عنها
ويتفانون في سبيلها ، لأنهم يفكرون في هذه القضية تفكيرا دينيا ، يصدرون فيه عن
الإيمان ، ويبتغون به ما يبتغي المؤمن من المحافظة على دينه والاستمساك بيقينه وابتغاء
الغدير — صفحة 251
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٢٥١