حتى سمع وقع أضراسه ، وشحطه من البيت إلى باب داره ، وعمرو بن الحمق يثب
ويجلس علي صدره ، وعمير بن ضابئ يكسر أضلاعه ، وجبينه موجوء بمشقص كنانة بن
بشر ، ورأسه مضروس بعمود التجيبي ، والغافقي يضرب فمه بحديد ، ترد عليه طعنة
بعد أخرى حتى أثخنته الجراح وبه حياة فأرادوا قطع رأسه فألقت زوجتاه بنفسهما
عليه ، كل هذه بين يدي أولئك المئات العدول أنصار الخليفة غير أنهم ينتظرون حتى
اليوم إلى إذن القتيل وإلا كانوا أخرجوهم من أقطار المدينة ، ولو أرادوا أن يمنعوه
بأرديتهم لمنعوه . أين هذه الأضحوكة من الاسلام والكتاب والسنة والعقل والعاطفة
والمنطق والاجماع والتاريخ الصحيح ؟ ! .
نظرة في المؤلفات
إن ما سطرناه في عثمان إلى هذا الحد أساس ما علوا عليه بنيان فضله ، وتبرير
ساحته عن لوت أفعاله وتروكه ، وتعذيره في النهابير التي ركبها والدفاع عنه ، وقد
أوقفناك على الصحيح الثابت مما جاء فيه ، وعلى المزيف الباطل مما وضع له ، ومن
جنايات المؤرخين ضربهم الصفح عن الأول ، وركونهم إلى الفريق الثاني من الروايات
فبنوا ما شادوه على شفا جرف هار ، فلم يأت بغيرها أي عثماني في العقيدة ، أموي في
النزعة ، ضع يدك على أي كتاب لأحدهم في التاريخ والحديث مثل تاريخ الأمم والملوك
للطبري ، والتمهيد للباقلاني ، والكامل لابن الأثير ، والرياض النضرة للمحب الطبري ،
وتاريخ أبي الفدا ، وتاريخ ابن خلدون ، والبداية والنهاية لابن كثير ، والصواعق لابن
حجر ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ، وروضة المناظر لابن الشحنة الحنفي ، وتاريخ أخبار
الدول للقرماني ، وتاريخ الخميس للديار بكري ، ونزهة المجالس للصفوري ، ونور
الأبصار للشبلنجي ، تجده مشحونا بتلكم الموضوعات المسلسلة ، أتوا بها مرسلين إياها
إرسال المسلم ، وشوهوا بها صحيفة التاريخ بعد ما سودوا صحائفهم ، وموهوا بها
على الحقائق الراهنة .
وجاء بعد هؤلاء المحدثون المتسرعون وهم يحسبون أنهم يمحصون التاريخ
والحديث تمحيصا ، ويحللون القضايا والحوادث تحليلا صحيحا متجردين عن الأهواء
والنزعات غير متحيزين إلى فئة ، ولا جانحين إلى مذهب ، لكنهم بالرغم من هاتيك الدعوى
الغدير — صفحة 247
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٢٤٧