فإن الله يجزي المتصدقين .
فلما قرئ في الأمصار أبكي الناس ودعوا لعثمان وقالوا : إن الأمة لتمخض
بشر ، وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه عبد الله بن عامر ، ومعاوية ، وعبد الله
ابن سعد ، وادخل معهم في المشورة سعيدا وعمرا فقال : ويحكم ما هذه الشكاية وما
هذه الإذاعة ؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي ،
فقالوا له : ألم تبعث ؟ ألم نرجع إليك الخبر عن القوم ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد
بشئ ؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا ، ولا كنت لتأخذ به أحدا
فيقيمك على شئ ، وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها . قال : فأشيروا
علي . فقال سعيد بن العاص : هذا أمر مصنوع يصنع في السر فيلقى به غير ذي المعرفة
فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم ، قال : فما دواء ذلك ؟ قال : طلب هؤلاء القوم ثم
قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم . وقال عبد الله بن سعد : خذ من الناس الذي
عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم . قال معاوية : قد وليتني فوليت
قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما . قال : فما الرأي ؟ قال : حسن
الأدب . قال : فما ترى يا عمرو ؟ قال : أرى أنك قد لنت لهم ، وتراخيت عنهم ،
وزدتهم على ما كان يصنع عمر ، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة
وتلين في موضع اللين ، إن الشدة تنبغي لمن لا يألو الناس شرا ، واللين لمن يخلف
الناس بالنصح ، وقد فرشتهما جميعا اللين ، وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال : كل
ما أشرتم به علي قد سمعت ، ولكل أمر باب يؤتى منه ، إن هذا الأمر الذي يخاف
على هذه الأمة كائن ، وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاناة والمتابعة
إلا في حدود الله تعالى ذكره التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها ، فإن سده
شئ فرفق فذاك والله ليفتحن وليست لأحد علي حجة حق ، وقد علم الله أني لم آل
الناس وخيرا ولا نفسي ، ووالله إن رحى الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها
كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم ، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا
فيها . فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبد الله بن سعد إلى المدينة ، ورجع ابن عامر
وسعيد معه . ولما استقل عثمان رجز الحادي :
الغدير — صفحة 223
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٢٢٣