وإن كان ابن اليهودية خلط نفسه بالناهضين لأي غاية راقته ، وما أكثر الأخلاط في
الحركات الصحيحة من غير أن يمس كونهم مع الهايجين بشئ من كرامتهم .
ولو كان ما أنهاه إليهم ابن سبأ عزوا مختلقا فهلا - لما قدمت وفود الأمصار المدينة -
قال لهم المدنيون : إن الرجل برئ من هذه القذائف والهنات وهو بين ظهرانيهم يرون
ما يفعل ، ويسمعون ما يقول ؟ لكنهم بدلا عن ذلك أصفقوا مع القادمين ، بل صاروا هم
القدوة والأسوة في تلك النهضة ، وكانوا قبل مقدمهم ناقمين عليه .
ونحن والدكتور طه حسين نصافق عند رأيه هاهنا حيث قال في كتابه " الفتنة
الكبرى ص 134 : وأكبر الظن أن عبد الله بن سبأ هذا - إن كان كل ما يروى عنه صحيحا -
إنما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة وعظم الخلاف فهو قد استغل
الفتنة ولم يثرها ، وأكبر الظن كذلك أن خصوم الشيعة أيام الأمويين والعباسيين
قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ، ليشككوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى
عثمان وولاته من ناحية ، وليشنعوا على علي وشيعته من ناحية أخرى ، فيردوا بعض
أمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيدا للمسلمين ، وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على
الشيعة ؟ وما أكثر ما شنع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان ؟
فلنقف من هذا كله موقف التحفظ والتحرج والاحتياط ، ولنكبر المسلمين
في صدر الاسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء
وكان أبوه يهوديا وكانت أمه سوداء ، وكان هو يهوديا ثم أسلم لا رغبا ولا رهبا ولكن
مكرا وكيدا وخداعا ، ثم أتيح له من النجح ما كان يبتغي ، فحرض المسلمين على خليفتهم
حتى قتلوه ، وفرقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعا وأحزابا .
هذه كلها أمور لا تستقيم للعقل ، ولا تثبت للنقد ، ولا ينبغي أن تقام عليها أمور
التاريخ ، وإنما الشئ الواضح الذي ليس فيه شك هو أن ظروف الحياة الإسلامية في
ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأي وافتراق الأهواء ونشأة المذاهب
السياسية المتباينة ، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنة النبي وسيرة صاحبيه كانوا
يرون أمورا تطرأ ينكرونها ولا يعرفونها ، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها
في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية ، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش
الغدير — صفحة 220
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٢٢٠