فإن سيوفنا في عواتقنا ، وقلوبنا في صدورنا ، ونحن اليوم كما كنا أمس .
" شرح ابن أبي الحديد 1 : 103 " .
قال الأميني : إن الأخذ بمجامع هذه الأخبار البالغة خمسين حديثا يعطينا درسا
ضافيا بأن الرجلين هما أساس النهضة في قصة عثمان ، وهما اللذان أسعرا عليه الفتنة ،
وإنهما لم يريان حرجا في إراقة دمه ، وقد استباحا عندئذ ما يحرم ارتكابه في المسلمين
إلا أن يكون مهدور الدم بسبب من الأسباب الموجبة لذلك ، فلم يتركاه حتى أوديا به ،
وكان لطلحة هنالك مواقف مشهودة ، فمنع عنه الماء الذي هو شرع سواء بين المسلمين ،
وإنه لم يرد على عثمان لما سلم عليه ومن الواجب رد السلام على كل مسلم ، وقد
منع عن دفنه ثلاثا في مقابر المسلمين ، وقد أوجبت الشريعة الإسلامية المبادرة إلى دفن
المسلم ، وقد أمر برمي الجنازة ورمي من يتولى تجهيزها بالحجارة والمسلم حرمته
ميتا كحرمته حيا ، فلم يرض طلحة بالأخير إلا دفنه في مقبرة اليهود " حش كوكب "
وهل لهذه الأعمال وجه بعد حفظ كرامة صحبتهما ؟ والقول بعدالة الصحابة كلهم ؟
وقبول ما ورد في الرجلين إنهما من العشرة المبشرة ؟ إلا أن يقال : إنهما كانا يريان
القتيل خارجا عن حوزة المسلمين ، وإلا لردعتهما الصحبة والعدالة والبشارة عن ارتكاب
تلكم الأعمال في أي من ساقة المسلمين فضلا عن خليفتهم .
ونحن في هذا المقام نقف موقف المتحايد ، ولسنا هاهنا إلا في صدد بيان آراء
الصحابة الأولين في عثمان ، وما أفضناه من رأيهما كان معروفا عنهما في وقتهما ، ولم
يزل كذلك في الأجيال المتأخرة عنهما حتى العصر الحاضر ، إن كانت الآراء تؤخذ
من المصادر الوثيقة ، وكانت حرة غير مشوبة بحكم العاطفة ، نزهة عن الميول والشهوات
وأما ما أظهراه من التوبة بعد أن نكثا البيعة الصحيحة المشروعة فقد قدمنا
وجهها في ص 101 في طلحة ويشاركه في ذلك الزبير أيضا ، فقد قفيا الحوبة بالحوبة لا
بالتوبة حسبا ( إن كانا يصدقان ) أنها تمحو السيئة ، بل الحوبة الأخيرة أعظم عند الله ، فقد
أراقا بها من الصفين في واقعة الجمل دماء تعد بالآلاف بريئة من دم عثمان .
وهتكا حرمة رسول الله بإخراج حشية من حشاياه من خدرها ، وقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم
نساءه عن ذلك ، وأوقفاها في محتشد العساكر وجبهة القتال الدامي ، وقصدا قتل إمام الوقت
الغدير — صفحة 109
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص١٠٩