وهذا التفسير إن صح فهو مخالف لجميع ما تقدم من الروايات الدالة على أن
المراد من الآية هو طلب المغفرة كما هو الظاهر المتفاهم من اللفظ .
ونفس هذه الاضطراب والمناقضة بين هذه المنقولات وبين ما جاء به البخاري مما
يفت في عضد الجميع ، وينهك من اعتباره ، فلا يحتج بمثله ولا سيما في مثل المقام من
تكفير مسلم بار ، وتبعيد المتفاني دون الدين عنه .
5 - إن المستفاد من رواية البخاري نزول آية الاستغفار عند موت أبي طالب كما
هو ظاهر ما أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال : لما مات أبو طالب قال
النبي صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم استغفر لأبيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ ،
فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين . الآية . يعني به أبا طالب ،
فاشتد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا
عن موعدة وعدها إياه . الدر المنثور 3 : 283 . وإن ناقضها ما أخرجه ابن سعد
وابن عساكر عن علي قال : أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال :
اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه . ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر
له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية : ما كان للنبي والذين
آمنوا . الآية ( 1 ) .
ولعله ظاهر ما أخرجه ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن
عيينة عن عمر قال : لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحمك الله وغفر لك ، لا أزال
أستغفر لك حتى ينهاني الله ، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون
فأنزل الله : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين . الدر المنثور 3 : 283
لكن الأمة أصفقت على أن نزول سورة البراءة التي تضمنت الآية الكريمة
آخر ما نزل من القرآن كما مر في ص 10 وكان ذلك بعد الفتح ، وهي هي التي بعث بها
رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر ليتلوها على أهل مكة ثم استرجعه بوحي من الله سبحانه
وقيض لها مولانا أمير المؤمنين فقال : لا يبلغها عني إلا أنا أو رجل مني ( 2 ) وقد جاء
هامش
( 1 ) طبقات ابن سعد 1 : 105 ، الدر المنثور 3 : 282 نقلا عن ابني سعد وعساكر
( 2 ) راجع الجزء السادس من كتابنا هذا ص 338 - 350 ط 2 .