يلتاث به ، ومن يحدوه الجشع ، وترقل به النهمة ، ويستفزه الطمع ، أفتراه والحالة
هذه يترك الوصية ؟ فيدع ما تركه اكلة للآكل ؟ ومطمعا للناهب ؟ لا .
لا يفعل ذلك وهو يريد خيرا بآله وصلاحا في ماله ، وعلى ذلك جرت سنة
المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يومنا الحاضر ، وأقرته الشريعة الإسلامية ، وشرعت
للوصايا أحكاما ، وجاء في الصحيحين ( 1 ) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ما حق امرئ
مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده . كذا في لفظ البخاري ،
وفي لفظ مسلم : يبيت ثلاث ليال ، قال ابن عمر : ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي . قال النووي في رياض الصالحين 156 : متفق عليه .
وصى الإله وأوصت رسله فلذا * كان التأسي بهم من أفضل العمل
لولا الوصية كان الخلق في عمه * وبالوصية دام الملك في الدول
فاعمل عليها ولا تهمل طريقتها * إن الوصية حكم الله في الأزل
ذكرت قوما بما أوصى الإله به * وليس إحداث أمر في الوصية لي ( 2 )
فإذا كانت الوصية ثابتة في حطام زائل ؟ فما بالها تنفى في خلافة راشدة ، وشريعة
خالدة ، مكتفلة بصلاح النفوس والنواميس والأموال والأحكام والأخلاق والصالح العام
والسلام والوئام ؟ ومن المسلم قصور الفهم البشري العادي عن غايات تلكم الشؤون
فلا منتدح والحالة هذه عن أن يعين الرسول الأمين عن ربه خليفته من بعده ليقتص
أثره في أمته .
وقد مر في صفحة 132 رأي عائشة وعبد الله بن عمر ومعاوية وحديث الناس
بأن راعي إبل أو غنم أو قيم أرض لأي أحد لا يسعهم ترك رعيتهم هملا ، ورعية
الناس أشد من رعية الإبل والغنم فالأمة لماذا صفحت يوم السقيفة عن هذا الحكم
المتسالم عليه بينها ؟ ولماذا نبأت عنه الاسماع ؟ وخرست الألسن ؟ وذهلت الأحلام
عنه يوم ذاك ، ثم حدث به الناس ونبأته الأمة ؟ ولماذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته
سدى هملا ؟ وفتح بذلك أبواب الفتن المضلة المدلهمة ؟ واستحقر أمته ورأى
هامش
( 1 ) صحيح البخاري 4 : 2 كتاب الوصية ، وصحيح مسلم 2 : 10 .
( 2 ) الجزء الأخير من الفتوحات المكية لابن العربي ص 575 .