في حلقي منها شئ حين ابتلعتها فأدخل علي يده فنزعه . فقال أبو بكر الصديق رضي
الله عنه : يا رسول الله ! هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب ويكون
في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله .
قال ابن إسحاق : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه
فقال : يا علي ! اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت
قدميك . فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم
الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى أنه ليدى لهم ميلغة ( 1 ) الكلب إذا لم يبق
شئ من دم ولا مال إلا وداه ، بقيت معه بقية من المال . فقال لهم علي رضوان الله
عليه حين فرغ منهم : هل بقي لكم ( بقية من ) دم أو مال لم يود لكم ؟ قالوا : لا . قال :
فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا
تعلمون ، ففعل ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ، فقال : أصبت وأحسنت .
قال : ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى أنه ليرى ما تحت منكبيه
يقول : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن وليد . ثلاث مرات .
وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك فقال له عبد الرحمن
ابن عوف : عملت بأمر الجاهلية في الاسلام ( 2 ) وفي الإصابة : أنكر عليه عبد الله بن عمر
وسالم مولى أبي حذيفة ، وقد تعد هذه الفضيحة أيضا من جنايات لغة كنانة كما في
الإصابة 2 : 81 .
فهذا الرهق والسرف في سيف خالد على عهد أبي بكر من بقايا تلك النزعات
الجاهلية ، وهذه سيرته من أول يومه ، فأنى لنا أن نعده سيفا من سيوف الله وقد
تبرأ منه نبي الاسلام الأعظم غير مرة ، مستقبل القبلة شاهرا يديه وأبو بكر ينظر إليه
من كثب .
هامش
( 1 ) الميلغة : خشبة تحفر ليلغ فيها الكلب .
( 2 ) سيرة ابن هشام 4 ص 53 - 57 ، طبقات ابن سعد ط مصر رقم التسلسل 659 ، صحيح
البخاري شطرا منه في كتاب المغازي باب بعث خالد إلى بني جذيمة ، تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 145 ،
أسد الغابة 3 : 102 ، الإصابة 1 ص 318 ، ج 2 ص 81 .