قال الأميني : هذا يتم إما عن عدم انعطاف الخليفة على القرآن واهتمامه به مع أنه
أهم أصول الاسلام ، وقد انطوى فيه مهمات علومه حتى أنه تبطأ في تعلم سورة منه إلى غاية
ذلك الأمد المتطاول ، ولعله كان قد ألهاه عن ذلك الصفق بالأسواق كما ورد في غير
واحد من هذه الآثار ، واعتذر به هو وغيره من الصحابة ، وإما عن قصور في فطنته
وذكاءه وجمود في القريحة يأبى عن انعكاس ما يلقى إليه فيها فيحتاج إلى تكرار ومثابرة
كثيرة وترديد حتى ينتقش ما هم بتعلمه في الذاكرة .
وقد يؤكد الثاني ما مر في صحيفة 116 من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له : إني أظنك
تموت قبل أن تعلم ذلك ، وما ذكر في ص 128 من قوله صلى الله عليه وآله وسلم له لحفصة . ما أرى أباك
يعلمها . وقوله : ما أراه يقيمها .
ويساعد هذا ما في الكتب من أن عمر كان أعلم وأفقه من عثمان ولكن كان
يعسر عليه حفظ القرآن ( 1 ) .
وأيا ما كان فإن مدة التعلم هذه لا يمكن أن تكون على العهد النبوي ، فإن
سورة البقرة نزلت بالمدينة عند جميع المفسرين غير آيات نزلت في حجة الوداع ، وقالت
عائشة : ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى الله عليه وسلم ( 2 ) وتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
في ربيع الأول - على ما ذهب إليه القوم - من السنة الحادية عشر من مهاجرته ، ومع
ذلك لم يؤثر تعلمه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا بد أن يكون تعلمه عند أحد الصحابة
أو عند لفيف منهم وهم الذين يقول القائل : فإن الخليفة كان أعلمهم على الإطلاق .
ويشهد هذا أيضا على خلو الرجل من أكثر علوم القرآن الموجودة في بقية
السور فإن تعلمها على هذا القياس يستدعي أكثر من مائة وثلاثين عاما حسب أجزاء
القرآن الكريم ، فيفتقر الخليفة على هذا الحساب في تعلم جميع القرآن إلى ما يقرب
من مائة وخمسين عاما ، ولا يفي بذلك عمر الخليفة ، على أن الأحكام في غير البقرة من السور
أكثر مما فيها ، فكان خليفة ومتعلما - والخليفة ، هو معلم الناس لا المتعلم منهم - ولهذا
كان لا يهتدي إلى جملة من الأحكام الموجودة في القرآن ، كان يحسب أبسط شئ
هامش
( 1 ) عمدة القاري 2 ص 733 نقلا عن النهاية .
( 2 ) فتح الباري 8 ص 130 .