منافيا للتوحيد الذي جاء به نبي الاسلام ، لكن العارف بأساليب الكلام ، العالم بما جبل
به الانسان من الغرايز المختلفة لا يكاد يشك في صحة معنى الشعر ، وهو يعرب عن إلمام
ابن الرومي بالأخلاق ، والمتكفل لتفصيل هذه الجملة كتب الأخلاق وما يضاهيها ،
ولخروج البحث عن موضوع الكتاب ضربنا عنه صفحا .
قال : وابن الرومي كان مفطورا على التدين لأنه كان مفطورا على التهيب
والاعتماد على نصير ، وهما منفذان خفيان من منافذ الإيمان والتصديق بالعناية الكبرى
في هذا الوجود ، ومن ثم كان مؤمنا بالله خوفا من الشك ، مقبلا على التسليم بسيطا
في تسليمه بساطة من يهرب من القلق ويؤثر السكينة على أي شئ ، وبلغ من بساطته
أنه كان ينكر على الحكماء الذين يشكون في حفظ أجساد الأتقياء بعد الموت
ويحسبونه من فعل الدواء والحنوط ، فقال لابن أبي ناظرة حين تذوق بعض الأجساد
ليعلم ما فيها من عوامل البقاء :
يا ذائق الموتى ليعلم هل بقوا * بعد التقادم منهم بدواء
بينت عن رعة وصدق أمانة * لولا اتهامك خالق الأشياء
أحسبت أن الله ليس بقادر * أن يجعل الأموات كالاحياء ؟ !
وظننت ما شاهدت من آياته * بلطيفة من حيلة الحكماء ؟ !
ومات وهو يقول في ساعاته الأخيرة :
ألا أن لقاء الله هول دونه الهول
وما كانت الطير عنده إلا شعبة من ذلك التهيب الديني الغريزي ، فهو يتفلسف
ويرى الآراء في الدين ولكن في حدود من الشعور لا في حدود من التفكير ، ولهذا كان
الفنان ولم يكن الفيلسوف .
* ( قال الأميني ) * : الطيرة ليست من شعب الدين ، ولا يركن إليها أي خاضع
له وملأ مسامعه قول الصادع به صلى الله عليه وآله وسلم : لا طيرة ولا حام . وإنما هي بين ضعف النفس
غير المتقوية بنور اليقين والتوكل على الله في ورد وصدر ، ولذا كانت شايعة في الجاهلية
ونفاها الاسلام .
قال : وليس من الاجتراء أنه قال بالاختيار ورأى له في الدين رأيا غير ما اصطلح
الغدير — صفحة 44
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٤٤