أقلام الكاتبين ومن يبشع أمر قتله ويزيد به نار العداوة تأجيجا ، وقد ذهب الجميع
إلى ربهم يحاسبهم على ما فعلوا ؟ والتاريخ يأخذ من ذلك عبرة وهي : أنه لا ينبغي
لمن يريد عظائم الأمور أن يسير إليها بغير عدتها الطبيعية ، فلا يرفع سيفه إلا إذا كان
معه من القوة ما يكفل النجاح أو يقرب من ذلك ، كما أنه لا بد أن تكون هناك
أسباب حقيقية لمصلحة الأمة ، بأن يكون جور ظاهر لا يحتمل ، وعسف شديد
ينوء الناس بحمله ، أما الحسين فإنه خالف يزيد وقد بايعه الناس ، ولم يظهر منه
ذلك الجور ولا العسف عند إظهار هذا الخلاف 129 - 130 . وقبل هذه الجمل يبرر
ساحة يزيد عن الظلم والجور ويراه قرب علي بن الحسين إليه وأكرمه ونعمه .
ج - ليت الرجل كتب ما كتب بعد الحيطة بشؤون الخلافة الإسلامية
وشروطها ، وما يجب أن يكتنفه الخليفة من حنكة لتدبير الشؤون ، وملكة لتهذيب
النفوس ، ونزاهة عن الرذائل ليكون قدوة للأمة ، ولا ينقض ما يدعو إليه ببوائقه ؟ ؟ ،
إلى أمثالها من غرائز يجب أن يكون حامل ذلك العبء الثقيل متحليا بها ، لكنه كتب
وهو يجهل ذلك كله ، وكتبه على حين أنه لم يحمل إلا نفسا ضئيلة تقتنع بما يحسبه
دعة تحت نير الاضطهاد ، وعلى حين أن ضعف الرأي ودقة الخطر يحبذان له راحة
مزعومة في ظل الاستعباد ، فلا نفس كبيرة تدفعه إلى الهرب من حياة الذل ، ولا
عقل سليم يعرفه مناخ الضعة ، ولا إحاطة بتعاليم الاسلام تلقنه دروس الآباء والشهامة ،
ولا معرفة بعناصر الرجال ليعلم من نفسياتهم الكم والكيف ، فلا عرف يزيد الطاغية
حتى يعلم أنه لا مقيل له في مستوى الخلافة . ولاعرف حسين السؤدد والشرف والإباء
ووالشهامة ، حسين المجد والإمامة ، حسين الدين واليقين ، حسين الفضل والعظمة ، حسين
الحق والحقيقة ، حتى يخبت إلى أن من يحمل نفسا كنفسه لا يمكنه البخوع ليزيد
الخلاعة والمجون ، يزيد الاستهتار والفسوق ، يزيد النهمة والشره ، يزيد الكفر والالحاد
لم ينهض بضعة المصطفى إلا بواجبه الديني ، فإن كل معتنق للحنيفية البيضاء يرى
في أول فرايضه أن يدافع عن الدين بجهاد من يريد أن يعبث بنواميسه ، ويعيث في طقوسه ،
ويبدل تعاليمه ، ويعطل أحكامه ، وإن أظهر مصاديق كلي ينطبق عليه هذه الجمل
هو : يزيد الجور والفجور والخمور ، الذي كان يعرف بها على عهد أبيه كما قال مولانا الحسين
الغدير — صفحة 259
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٢٥٩