فكل من هذه خبر يصدق الخبر بأن مدح الكميت عترة نبيه الطاهر وولائه
لهم ، وتهالكه بكله في حبهم ، وبذله النفس والنفيس دونهم ، ونيله من مناوئيهم ،
ونصبه العداء لمخالفيهم ، لم يكن إلا لله ولرسوله فحسب ، وما كان له غرض من
حطام الدنيا وزخرفها ، ولا مرمى من الثواب العاجل دون الآجل ، وكل واقف على
شعره يراه كالباحث بظلفه عن حتفه ، ويجده مستقتلا بلسانه ، قد عرض لبني أمية
دمه ، مستقبلا صوارمهم كما نص عليه الإمام زين العابدين عليه السلام وقال : اللهم
إن الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك نفسه حين ضن الناس ، وأظهر ما
كتمه غيره . وقال عبد الله الجعفري لبني هاشم ؟ هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت
الناس من فضلكم وعرض دمه لبني أمية . وخالد القسري لما أراد قتله رأى في شعره
غنى وكفاية عن أي حيلة وسعاية عليه ، فاشترى جارية وعلمها الهاشميات وبعثها
إلى هشام بن عبد الملك وهو لما سمعها منها قال : استقتل المرائي . وكتب إلى خالد
بقتله وقطع لسانه ويده .
فكان الكميت منذ غضاضة من شبيبته التي نظم فيها " الهاشميات " خائفا يترقب
طيلة عمره مختفيا في زوايا الخمول إلى أن أقام بقريضه الحجة ، وأوضح به المحجة ،
وأظهر به الحق ، وأتم به البرهنة ، وبلغ ضالته المنشودة من بث الدعاية إلى العترة
الطاهرة ، فلما دوخ صيت شعره الأقطار ، وقرطت به الآذان ، ودارت على الألسن
استجاز الإمام أبا جعفر الباقر عليه السلام أن يمدح بني أمية صونا لدمه فأجاز له ،
رواه أبو الفرج في " الأغاني " 15 ص 126 بإسناده عن ورد بن زيد أخي الكميت قال :
أرسلني الكميت إلى أبي جعفر عليه السلام فقلت له : إن الكميت أرسلني إليك وقد
صنع بنفسه ما صنع فتأذن له أن يمدح بني أمية ؟ قال : نعم هو في حل فليقل ما شاء .
فنظم قصيدته الرائية التي يقول فيها .
فالآن صرت إلى أمية * والأمور إلى المصاير
ودخل علي أبي جعفر عليه السلام فقال له : يا كميت ؟ أنت القائل :
فالآن صرت إلى أمية * والأمور إلى المصاير
الغدير — صفحة 200
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٢٠٠