الرحبة - فمن أبي ذلك عرضه على السيف . وعن المنتظم لابن الجوزي : إن زيادا لما
حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم ، وهم أن يخرب
دورهم ، ويحمر نخلهم ، فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البراءة من
علي عليه السلام وعلم أنهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم . فذكر
عبد الرحمن بن السائب قال : أحضرت فصرت إلى الرحبة ومعي جماعة من الأنصار ،
فرأيت شيئا في منامي وأنا جالس في الجماعة وقد خفقت ، وهو إني رأيت شيئا طويلا
قد أقبل فقلت : ما هذا ؟ فقال : أنا النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر ،
فانتبهت فزعا فما كان إلا مقدار ساعة حتى خرج خارج من القصر فقال : انصرفوا فإن
الأمير عنكم مشغول ، وإذا به قد أصابه ما ذكرنا من البلاء ، وفي ذلك يقول عبد الله
بن السائب :
ما كان منتهيا عما أراد بنا * حتى تأتى له النقاد ذو الرقبة
فاسقط الشق منه ضربة ثبتت * لما تناول ظلما صاحب الرحبة ( 1 )
قال الأميني : هلم معي نقرأ هذه الصحائف السوداء المحشوة بالمخازي وشية
العار ، المملوءة بالموبقات والبوائق ، فننظر هل في الشريعة البيضاء ، أو في نواميس
البشرية ، أو في طقوس العدل مساغ لشئ منها ؟ دع ذلك كله هل تجد في عادات
الجاهلية مبررا لشئ من تلكم الهمجية ؟ وهل فعل أولئك الأشقياء الأشداء في
أيامهم المظلمة فعلا يربو مخاريق ابن هند ؟ لا . وإنك لا تسمع عن أحد ممن يحمل
عاطفة إنسانية ولا أقول ممن يعتنق الدين الحنيف فحسب يستبيح شيئا من ذلك ،
أو يحبذ مخزاتا من تلكم المخازي ، وهل تجد معاوية وهذه جناياته من مصاديق قوله
تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا
يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود . الآية ؟ ( 2 ) فهل
ترى ابن أبي سفيان خارجا عنهم ؟ فليس هو من رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ممن معه ، ولا رحيما
بهم ، أو أن من ناواه وعاداه وسبه وآذاه وقتله وهتكه خارجون عن ربقة الاسلام ؟
هامش
( 1 ) مروج الذهب 2 : 69 ، المحاسن والمساوي للبيهقي 1 : 39 ، قال المسعودي والبيهقي :
صاحب الرحبة هو علي بن أبي طالب ، شرح ابن أبي الحديد 1 : 286 نقلا عن ابن الجوزي .
( 2 ) سورة الفتح 29 .