تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغدير — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
أخرى ، وينال من رواتها بقوارص طورا ، وينهى راويها عن الرواية بلسان بذي بكل شدة وحدة ، إلى أشياء من مظاهر الهزء والسخرية ( 1 ) فما ظنك بمن هذا شأنه مع - السنة الشريفة ؟ فهل تذعن له إنه يعبأ بها ويحتج بها في موارد الحاجة ، ويأخذها مدركا عند عمله ؟ أو ينبذها وراء ظهره ؟ كما فعل ذلك في موارده ومصادره كلها . وإن حداثة عهد معاوية بالاسلام وأخذه بالروايات بعد كل ما قدمناه ، وما كان يلهيه عن الاصاغة إليها طيلة أيامه من كتابة وإمارة وملوكية ، وإن حياته في دور الاسلام كلها كانت مستوعبة بظروب السياسة وإدارة شؤون الملك والنزاع والمخاصمة دونه ، فمتى كان يتفرغ لأخذ الروايات وتعلم السنن ؟ ثم من ذا الذي أخذ عنه السنة ؟ والصحابة جلهم في منتأى عن مبائته " الشام " ولم يكن معه إلا طليقا أعرابيا ، أو يمانيا مستدرجا ، وهو يسيئ ظنه بجملة الصحابة المدنيين حملة الأحكام ونقلة الأحاديث النبوية ويقول بملأ فمه : إنما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم ، فلما فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام ( 2 ) وعلى أثر ظنه السيئ وقوله الآثم كان يمنع هو وأمراءه عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما يظهر مما أخرجه الحاكم في المستدرك 4 : 486 من قول عبد الله بن عمرو بن العاص لما قاله نوف : أنت أحق بالحديث مني أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله : إن هؤلاء قد منعونا عن الحديث يعني الأمراء . وجاء في حديث : إن معاوية أرسل إلى عبد الله بن عمر فقال : لئن بلغني إنك تحدث لأضربن عنقك ( 3 ) . وعلى ذلك الظن أهدر دماء بقية السلف الصالح ، وبعث بسر بن أرطاة إلى المدينة الطيبة فشن الغارة على أهلها ، فقتل نفوسا بريئة ، وأراق دماء زكية ، واقتص أثره من بعده جروه يزيد في واقعة الحرة ، ومن يشابه أبه فما ظلم . نظرة في أحاديث معاوية إن لنا حق النظر في شتى مناحي رواياته ، لقد أخرج عنه أحمد في مسنده في الجزء الرابع ص 91 - 102 مائة وستة أحاديث وفيها من المكرر .
هامش
( 1 ) راجع تفصيل كل هذه فيما أسلفناه في هذا الجزء ص 281 - 284 . ( 2 ) راجع صفحة 319 من هذا الجزء . ( 3 ) كتاب صفين لابن مزاحم ص 248 .