جميع الأشياء . - أما « الوجود » على المستوى الأنطولوجى - أي الوجود من حيث هو ، بقطع النظر عن آثاره الخارجية - فالمراد به « الوجود المطلق » لا « الوجود مطلقاً » . وكما أن الوجود واحد من الناحية الكوسمولوجية ( = وحدة الإيجاد ) كذلك هو واحد من الناحية الأنطولوجية ( = وحدة الوجود المطلق ، وحدة الموجود بذاته ولذاته ومن ذاته ) . - وكل ثنائية أو كثرة في دائرة « الوجود المطلق » هي « شرك ميتافيزيقي ! » تماماً المشار إليه في بعض النصوص الدينية : « إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله : يد الله فوق أيديهم » ، « وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى » ؛ « إذا أجبت عبدي كنت سمعه الذي بسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى عليها ، وقلبه الذي يعقل به . . . » إلى غير ذلك . فهذه النصوص وأمثالها ، تدل بوضوح على أن الله ليس هو فقط موجدّا لجميع الأشياء ومظهراً لها ( كما هي الحال في وحدة لإيجاد ، من الناحية الكونية ) بل هو ، أيضا ، ظاهر في « بعضها » إذا شاء ، موجود حقيقة فيها ، إذ أراد ، من غير حلول ، ولا تقيُّد ولا تعدد . فوحدة الوجود ، على الصعيد الميتافيزيقي ، هي وحدة الظهور الإلهي المقدس ، في « بعض مخلوقاته » ، من الناحية النظرية ، بمبدأين ، أحدهما مستمد من علم الأرثماطيقي ، والآخر ، من مباحث ما وراء الطبيعة . أما الأول فهو قوله : « لولا تجلى ( الحق ) لكل شئ ما ظهرت شيئية ذلك الشئ ( . . . ) فهو ( أي هذا التجلي الخلقي ) بمنزلة سريان الواحد في العدد : فتظهر الأعداد إلى مالا يتناهى ، بوجود الواحد في هذه المنازل . ولولا وجود عينه فيها ما ظهرت أعيان الأعداد ، ولا كان لها اسم . ولو ظهر الواحد باسمه ، في هذه المنزلة ، ما ظهر لذلك العدد عين ، فلا يجتمع عينه واسمه ، معاً ، أبداً ( . . . ) فالواحد : بذاته يحفظ وجود الأعداد ، وباسمه ، يعدمها » . - أما المبدأ الثاني ، المستمد من مباحث ما وراء الطبيعة ، الذي يستعين به ابن عربي لإثبات « وحدة الظهور الإلهي المقدس في بعض مخلوقاته » وهو ما أشرنا إليه من قبل : إن المطلق ليس هو فقط المقول على الوجود بشرط لا شئ . بل هو ، بصورة خاصة ، المقول على الوجود لا بشرط شئ . بناءاً على هذا ، يصح أن نتصور ، من الوجهة النظرية المحضة ، المطلق ، الذي هو لا بشرط لها شئ ، في صورة المقيد ، من غير أن يتقيَّد هذا المطلق بالقياس إلى حقيقته وطبيعته . . . .
الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 40
مساهمون: ابن عربي
ص٤٠