وصل ( المدرك بذاته والمدرك بفعله واللامدرك أصلا )
( 86 ) ثم نظرنا أيضا في جميع ما سوى الحق - تعالى - فوجدناه على قسمين : قسم يدرك بذاته ، وهو المحسوس والكثيف ، وقسم يدرك بفعله ، وهو المعقول واللطيف ، فارتفع المعقول عن المحسوس بهذه المنزلة :
وهي التنزه أن تدرك ذاته ، وإنما يدرك بفعله . ولما كانت هذه أوصاف المخلوقين ، تقدس الحق - تعالى - عن أن يدرك بذاته كالمحسوس ، أو بفعله كاللطيف أو المعقول . لأنه - سبحانه - ليس بينه وبين خلقه مناسبة أصلا . لأن ذاته غير مدركة لنا فتشبه المحسوس ، ولا فعلها كفعل اللطيف فيشبه اللطيف .
لأن فعل الحق - تعالى - إبداع الشيء لا من شيء ، واللطيف الروحاني ، فعل الشيء من الأشياء . فأي مناسبة بينهما ؟ فإذا امتنعت المناسبة في الفعل فأحرى أن تمتنع المشابهة في الذات .
( 87 ) وإن شئت أن تحقق شيئا من هذا الفصل ، فانظر إلى مفعول هذا الفعل ، على حسب أصناف المفعولات ، مثل المفعول الصناعي كالقميص والكرسي ( مثلا ) ، فوجدناه لا يعرف صانعه ، إلا أنه يدل بنفسه على وجود صانعه وعلى علمه بصنعته . وكذلك المفعول التكويني الذي هو الفلك والكواكب ،