أنه جمع أصحابه يوما في دسكرة وقام فيهم خطيبا ، وكانت عليه مهابة . فقال : « افهموا عنى ما أرمزه لكم في مقامي هذا ، وفكروا فيه ، واستخرجوا كنزه ، واتساع زمانه في أي عالم هو ؟ وإني لكم ناصح . وما كل ما يدرى يذاع . فإنه لكل علم أهل يختص بهم . وما يمكن الانفراد . ولا يسع الوقت . فلا بد أن يكون في الجمع فطر مختلفة ، وأذهان غير مؤتلفة . والمقصود من الجماعة واحد . إياه أقصد بكلامي ، وبيده مفتاح رمزى . ولكل مقام مقال . ولكل علم رجال . ولكل وارد حال . فافهموا عنى ما أقول . وعوا ما تسمعون فبنور النور أقسمت ) وبروح الحياة ، وحياة الروح آليت ! إني عنكم لمنقلب من حيث جئت . وراجع إلى الأصل الذي عنه وجدت . فقد طال مكثي في هذه الظلمة . وضاق نفسي بترادف هذه الغمة . وإني سالت الرحلة عنكم . وقد أذن لي في الرحيل . فأثبتوا على كلامي ، فتعقلون ما أقول لكم بعد انقضاء سنين - عينها وذكر عددها - فلا تبرحوا حتى آتيكم بعد هذه المدة . وإن برحتم ، فلتسرعوا إلى هذا المجلس الكرة ( تلو الكرة ) . وإن لطف مغناه ، وغلب على الحروف معناه ، فالحقيقة ، الحقيقة ! والطريقة ، الطريقة ! فقد اشتركت الجنة والدنيا في اللبن والبناء ، وإن كانت الواحدة من طين وتبن ، والأخرى من عسجد ولجين » . - هذا ما كان من وصيته لبنيه . وهذه مسألة عظيمة ، رمزها وراح . فمن عرفها استراح !
الفتوحات المكية ( ط . ج ) — صفحة 371
مساهمون: ابن عربي
ص٣٧١