ومما يثير الاستغراب أن الإمام الرضا ( عليه السلام ) قد أقام العزاء على نفسه
قبل مغادرته المدينة ، فقد روى الصدوق بسنده عن الحسن بن علي
الوشاء ، قال : قال لي الرضا ( عليه السلام ) : إني حيث أرادوا الخروج بي من
المدينة ، جمعت عيالي ، فأمرتهم أن يبكوا علي حتى أسمع ، ثم فرقت
فيهم اثني عشر ألف دينار ، ثم قلت : أما إني لا أرجع إلى عيالي أبدا ( 1 ) .
ووجه الغرابة أن العادة جرت على أن إقامة العزاء والبكاء إنما هي
بعد الموت ، فما معنى أن يأمر الإمام الرضا ( عليه السلام ) عياله بالبكاء عليه
ليسمع بكاءهم ؟ ! مع أنهم علموا بشهادته في يوم وقوعها ، فقد روى
محمد بن أحمد بن يحيى بسنده عن أمية بن علي قال : كنت بالمدينة ،
وكنت أختلف إلى أبي جعفر ( عليه السلام ) ، وأبو الحسن ( عليه السلام ) بخراسان ، وكان
أهل بيته وعمومة أبيه يأتونه ويسلمون عليه ، فدعا يوما الجارية فقال :
قولي لهم يتهيأون للمأتم ، فلما تفرقوا قالوا : ألا سألناه مأتم من ؟ فلما
كان من الغد فعل مثل ذلك ، فقالوا مأتم من ؟ قال : مأتم خير من على
ظهرها ، فأتانا خبر أبي الحسن بعد ذلك بأيام ، فإذا هو قد مات في ذلك
اليوم ( 2 ) .
فهل كان أمر الإمام الرضا ( عليه السلام ) عياله بالبكاء عليه لأنه يموت في
الغربة بعيدا عن الأهل والوطن ؟ أو لأنه كان يريد إشعارهم بأنه لن يعود
فلا يأملون في لقائه ؟
أو لأنه اعتبر نفسه ميتا فأمرهم بالبكاء لشدة ما سيلاقي من المحن
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 217 - 218 .
( 2 ) إعلام الورى ج 2 ص 100 .