جدّة النوبختيّين ، فقال في آخر مقطوعة بذيئة جدّا ، وهو يردّ عليهم :
سيبقى بقاء الدهر ما قلت فيكم * وأمّا الذي قد قلتموه فريح « 1 »
وإنّ من عجائب الدهر حقّا أن تبقى هذه الأبيات القبيحة المبتذلة التي مرّ عليها ما يزيد على ألف ومائتي سنة كما تنبّأ أبو نواس بذلك ، ولم يبق من الكتب الثمينة التي صنّفها آل نوبخت إلّا كتاب أو كتابان . والأعجب من ذلك أنّ البيت المذكور جرى مجرى الأمثال ، وتداولته الألسن في عصر حمزة الأصفهانيّ « 2 » .
إنّ الخصومة التي ظهرت في نهاية المطاف بين أبي نواس وأبناء أبي سهل ودفعت الشاعر إلى قذعهم ، جعلت البعض يتّهم آل نوبخت بأنّهم قد دسّوا له السمّ ، فذهبت جماعة إلى أنّ آل نوبخت سمّوه لمقطوعة نظمها زنبور الكاتب أحد معاصريه في هجاء الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وأتباعه ، ونسبها إليه ورواها عنه . ورأت جماعة أخرى أنّ إسماعيل بن أبي سهل قام بذلك لهجاء أبي نواس إيّاه ووالدته ، ووصفه بالرفض والبخل . وقال آخرون إنّ موته كان بسبب ضربة تلقّاها من عليّ بن أبي سهل في دار أخيه هارون « 3 » . ومهما يكن من شيء فإنّ دور آل نوبخت في موت أبي نواس يكتنفه الغموض تماما . ولمّا لم يهتمّ كبار الكتّاب والمؤرّخين بذكر ذلك ، فلنا أن نعدّه في سياق الطعون التي وجّهها أعداء آل نوبخت إليهم .
وعندما توفّي أبو نواس استبق أبناء أبي سهل إلى تجهيزه ، وكان كلّ منهم يودّ أن ينال شرف ذلك ، حتّى آل الأمر إلى إجماعهم على المساهمة فيه برمّتهم « 4 » ، كما أنشدوا شعرا في رثائه أيضا « 5 » .
هامش
( 1 ) - أخبار أبي نواس 1 : 200 .
( 2 ) - شرح ديوان أبي نواس ج 2 ، الورقة405 b.
( 3 ) - أخبار أبي نواس ج 2 ( مخطوط ) .
( 4 ) - نفسه ، ج 2 ( مخطوط ) .
( 5 ) - شرح ديوان أبي نواس ج 3 ، الورقة208 b.