كانا من ذوي الشأن والنفوذ ومن أعيان البلاط والعاملين في الدواوين قبل هذا التاريخ بمدّة ، لأنّ البحتريّ الذي مات سنة 283 أو 284 ه كان قد مدحهما .
ويستشفّ من إحدى مدائح البحتريّ أنّ أبا يعقوب إسحاق بن إسماعيل كان مكلّفا بمهمّة في أطراف العواصم « 1 » وقنّسرين ، إذ طهّر حدود قنّسرين من رجل معتد وأراح الرعيّة منه ، وجمع الناس بعد فرقتهم وعاملهم بالعدل والإنصاف وكان البحتريّ أحدهم ، فقال في قصيدة له مشيرا إلى ذلك :
إنّ العواصم قد عصمن بأبيض * ماض كصدر الأبيض المسلول « 2 »
أعطى الضعيف من القويّ وردّ من * نفس الوحيد ومنّة المخذول
عزّ الذليل وقد رآك تشدّ من * وطء على نفس العزيز ثقيل
ورحضت قنّسرين حتّى أنقيت * جنباتها من ذلك البرطيل
وكمعت شدق الآكل الذّرب الشّبا * حتى حميت جزارة المأكول
أحكمت ما دبّرت بالتقريب * والتبعيد والتصعيب والتسهيل
لولا التّباين في الطّبائع لم يقم * بنيان هذا العالم المجبول
قول يترجمه الفعال وإنّما * يتفهّم التّنزيل بالتّأويل
ما ذا نقول وقد جمعت شتاتنا * وأتيتنا بالعدل والتعديل « 3 » ؟ !
وهذه المهمّة التي نأسف أنّنا لا نعلم متى تحقّقت وما هو موضوعها كانت - حسب ما تفيده القرائن - في أواخر عمر البحتريّ الذي كان يعيش يومئذ في أطراف العواصم ، وتوفّي في حلب أو منبج سنة 283 أو 284 ه .
وليس لدينا اطّلاع على حياة أبي يعقوب إسحاق منذ وفاة البحتريّ حتّى سنة
هامش
( 1 ) - كانت العواصم مجموعة قلاع بين حلب وأنطاكية ، وهي واقعة بين أراضي المسلمين والمناطق الخاضعة لنفوذ النصارى . وكانت ملجأ للمسلمين عند عودتهم من جهاد النصارى .
( 2 ) - هذه الأبيات من قصيدة في مدح أبي يعقوب إسحاق . وقد ذكرنا قسما منها في الصفحات الأولى من الكتاب .
( 3 ) - ديوان البحتريّ 178 - 179 .