إدراك الغير موجبا للحبّ وإدراكه تعالى غير موجب له . والجواب : إنّ الحبّ ليس هو الإدراك فقط ، بل هو إدراك المؤثّر من حيث هو مؤثّر . وإدراك الكمال إنّما يوجب حبّه لكون الكمال مؤثّرا . ولمّا كان الكمال وإدراكه موجودين للأوّل تعالى حكموا بثبوت الحبّ هناك » « 1 » .
هذا القول - أعني : إثبات السرور واللذّة للّه تعالى - هو قول الفلاسفة كما أشرنا ، بيد أنّهم استعملوا كلمة « الابتهاج » مكان « اللذّة » و « السرور » المتداولتين المستعملتين في الإنسان غالبا . ولم يوافقهم جمهور المتكلّمين في هذا الموضوع ، وكانوا يرون أنّ إثبات ذلك بمنزلة إثبات النقص للّه تعالى ، ويقولون إنّ اللّذة من توابع اعتدال المزاج ولا تصحّ نسبتها إلى اللّه تعالى الذي لا ينسب إليه المزاج .
يضاف إلى ذلك أنّنا إذا اعتبرنا اللذّة قديمة أو حادثة ، فهي في الحالة الأولى تتنافى مع الأزليّة الإلهيّة ، وفي الحالة الثانية تجعل اللّه تعالى محلّا للحوادث .
على الرغم من هذا الاعتراض الذي أبداه معظم المتكلّمين فإنّ الفلاسفة وعددا من أهل الكلام أجابوا عن الاعتراضات المتقدّمة وقاموا بإثبات السرور والابتهاج ، بل الغمّ والألم للّه تعالى بالأدلّة العقليّة والنقليّة . وكان أبو شعيب - وهو من قدماء المعتزلة - يرى استنادا إلى بعض الآيات القرآنيّة أنّ السرور والغمّ والغيرة والأسف أمور ثابتة للّه تعالى ، بيد أنّ سائر المتكلّمين كانوا يؤوّلونها بوجوه أخرى . وكان حجّة الإسلام الإمام محمّد الغزاليّ - أحد متكلّمي الأشاعرة - يجيز إثبات اللذّة للّه تعالى « 2 » . وكان لابن أبي الحديد الذي شرح كتابا آخر للشيخ أبي إسحاق النوبختيّ - هو كتاب الياقوت - رأي في مبحث اللذّة والألم ونسبتهما إلى الباري تعالى ، وكتب رسالة أخرى في هذا الموضوع « 3 » لكنّها ليست في متناول
هامش
( 1 ) - شرح الإشارات ، النمط الثامن ، نصير الدين الطوسيّ .
( 2 ) - شرح نهج البلاغة 1 : 297 .
( 3 ) - نفسه 1 : 475 .