حيث يظهر منها أنّ أحد مناشئ وحِكَم تشريع حرمة الربا هو الظلم من جانب المقرِض على المقترض ، فمورد الربا فيما كان ظلماً على المقترض ، فإذا لم يكن المقترض محترماً ماله ، وإن لم يكن قد استولى على ماله بالفعل فلا يتصوّر تحقّق الظلم الربوي وغيره في حقّه حينئذ ; إذ تحقّق الظلم إنّما هو فيمن له حرمة وحقّ ، وقد جعل الشرع لماله حرمة ما ، فإذا تُعدّي على تلك الحرمة يقع الظلم ، ومتى لم يجعل الشارع الحرمة والحقّ لماله أو لشؤونه الاُخرى فينتفي الظلم ، ولأجل ذلك قالوا إنّ الظلم إنّما يتصوّر بعد فرض نوع من الحقّ والحدّ للطرف الآخر .
ولذلك حصلت شبهة عند بعض الأعلام ، وهي أنّ الظلم إنّما يتولّد بعد تحديد الحقوق ، والحقوق جعول اعتباريّة ، فإذن الظلم موضوعه اعتباري فضلاً عن محموله ، وهو القبح ، فليس حينئذ بحقيقي تكويني ، فهو من المشهورات لا من اليقينيّات ، هذه شبهة بنى عليها المرحوم باقر الصدر ، ولدينا جواب ذكرنا في كتابنا العقل العملي .
والحكمة وإن لم تكن كالعلّة تخصّص وتعمّم إلاّ أنّها توجب لا أقلّ عدم إجراء مقدّمات الإطلاق ، ويؤيّد كون حكمة حرمة الربا في المقام هي عدم الظلم أنّه من البعيد أنّ هذه الحرمة المغلّظة يستثنى منها الربا بين الوالد والولد ، وبين الزوج والزوجة ، والسيّد وعبده ، وأنّ الظلم حرام إلاّ في هذه الموارد .
فجواز الربا في هذه الموارد قرينة على كون الربا محرّماً ; لأنّه من أنواع الظلم وعدم حرمته في المستثنيات لعدم وقوع الظلم فيها ; إذ ليس على السيّد لعبده حقّ مالي كي يفرض ظلم متولّد من الربا ، بل للسيّد حقّ على عبده ، وكذا بين الزوج والزوجة ، والوالد والولد ، فخروج هذه الموارد لتخلّف حكمة حرمة الربا ، أي أنّ أخذ ما لا تملك ظلم بخلاف أخذ ما تملك ، فالشخص في العناوين الثلاثة المستثناة يستطيع أن يأخذ من الطرف الآخر بدون الربا ، فالربا المحرّم حينئذ غير متصوّر فيها ، فما ذكر من ضابطة في مصحّحة زرارة ، قرينة معاضدة للتعليل الموجود في الآيات الكريمة
فقه المصارف والنقود — صفحة 379
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص٣٧٩