تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
ولقد قال في فتح الباري : ان بعض العلماء قال : إن التأثير السحر منحصر في التفريق بين المرء وزوجه ، أو نحو ذلك ، فإذا فهمنا هذا الحديث على هذا الوجه ، لم يكن فيه ذلك الضرر الذي حول به بعضهم ، وأنكر من أجله الحديث فلا مانع حينئذ من أن يكون للسحر بعض التأثير الحقيقي في بعض الأحيان على أن هذا الحديث لا يدل دلالة قاطعة طبعا لأنه لا يفيد إلا الظن ، ولهذا قال
شرح
بعضهم أنها أخبار آحاد فلا يعمل بها ، وزعموا أن السحر يحط من منصب النبوة ، ويشكك فيها ، قالوا : وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل . وقالوا : إن جواز السحر على الأنبياء يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع للعباد ، إذ يحتمل على هذا أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم يخيل إليه أنه يرى جبريل ، وليس هو ثم ، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوحى إليه بشيء ، وكلامهم هذا مردود من عدة وجوه . ( 1 ) لقد قامت البراهين من المعجزات ، والنصوص الصريحة من القرآن والسنة النبوية على صدقه صلَّى اللَّه عليه وسلم فيما بلغه عن الله تعالى ، وعلى عصمته في التبليغ قال تعالى * ( ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وما غَوى ، وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) * وقال تعالى * ( والله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) * وقال تعالى * ( وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وما نَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا ) * وقال تعالى * ( ولَوْ لا فَضْلُ الله عَلَيْكَ ورَحْمَتُه لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ، وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ) * فتلك الآيات وغيرها أدلة قاطعة على أنه صلَّى اللَّه عليه وسلم الصادق المصدوق فيما قال ، وبلغ ، وأن الله عصمه من الضلال ، وحفظ عقله من الزلل . ( 2 ) وقد أجمع الرواة على أن هذا السحر لم يكن له أي أثر في عقله صلَّى اللَّه عليه وسلم ، بل كان تأثيره في جسمه وبصره كغيره من الأمراض الجسمية ، وقد وقع السحر لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فكان يخيل إليه في رأي العين كما قال تعالى * ( فَإِذا حِبالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْه مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) * . فكان هذا السحر من باب الأمراض الجسمية ، وتلك جائزة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فإن الأمراض غير المنفرة جائزة في حقهم ، فهي في الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية ، مع عصمتهم في أمور الدين ، والتبليغ ، وحفظ الوحي الشريف . ( 3 ) أجمع الرواة على أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم ينطق أثناء مرضه بهذا السحر بغير الصواب والصدق والحق ، حتى في الأمور العادية ، فكان يرى ويظن كالخاطر يعرض في النفس ، ولا يتعداها حتى يرجع إلى الصواب والحق فينطق بهما ، ولم ينطق بغيرهما قط ، لا في مرضه هذا ، ولا في غيره طول حياته صلَّى اللَّه عليه وسلم .