تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
شرح
وسائر الفواحش بينهم لو أنهم كانوا وفقوا لإقامة هذه السنة وإذا لم تكن الحكومات الإسلامية تغمض في أمر الزنا وسائر الفواحش هذا الإغماض الذي ألحقها تدريجا بالسنن القانونية وامتلأت بها الدنيا فسادا ووبالا . وأما قوله : « وكلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية ولكن فشو الزنا كان في الإماء دون الحرائر » ظاهره أن مراده بالفاحشتين الزنا وشرب الخمر وهو كذلك إلا أن كون الزنا فاشيا في الإماء دون الحرائر مما لا أصل له يركن إليه فإن الشواهد التاريخية المختلفة المتفرقة تؤيد خلاف ذلك كالأشعار التي قيلت في ذلك وقد تقدم في رواية ابن عباس أن أهل الجاهلية لم تكن ترى بالزنا بأسا إذا لم يكن علنيا . ويدل عليه أيضا مسألة الادعاء والتبني الدائر في الجاهلية فإن الادعاء لم يكن بينهم مجرد تسمية ونسبة بل كان ذلك أمرا دائرا بينهم يبتغي به أقوياؤهم تكثير العدة والقوة بالإلحاق ويستندون فيه إلى زنا ارتكبوه مع الحرائر حتى ذوات الأزواج منهن وأما الإماء فهم ولا سيما اقوياؤهم يعيبون الاختلاط بهن والمعاشقة والمغازلة معهن وإنما كانت شأن الإماء في ذلك أن مواليهن يقيمونهن ذلك المقام اكتسابا واسترحابا . ومن الدليل على ما ذكرناه ما ورد في قصص الإلحاق في السير والآثار كقصة إلحاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه لأبيه أبي سفيان وما شهد به شاهد الأمر عند ذلك وغيرها من القصص المنقولة . نعم ربما يستشهد على عدم فشو الزنا بين الحرائر في الجاهلية بقول هند للنبي ( ص ) عند البيعة : وهل الحرة تزني ؟ لكن الرجوع إلى ديوان حسان والتأمل فيما هجا هندا بعد وقعتي بدر وأحد يرفع اللبس ويكشف ما هو حقيقة الأمر . ثم قال بعد كلام له في تنقيح معنى الأحاديث ورفعه التدافع الواقع بينها على زعمه : والعمدة عند أهل السنة في تحريمها وجوه : أولها : ما علمت من منافعها لظاهر القرآن في أحكام النكاح والطلاق والعدة إن لم نقل لنصوصه . وثانيها : الأحاديث المصرحة بتحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة - إلى أن قال : وثالثها : نهى عمر عنها وإشارته بتحريمها على المنبر وإقرار الصحابة له على ذلك وقد علم أنهم ما كانوا يقرون على منكر وأنهم كانوا يرجعونه إذا أخطأ . ثم اختار أن تحريمه لها لم يكن عن اجتهاد منه وإنما كان استنادا إلى التحريم الثابت بنهي النبي ( ص ) وإنما يسند اليه التحريم من جهة أنه مبين للحرمة أو منفذ لها كما يقال : حرم الشافعي النبيذ وأحله أبو حنيفة . أقول : أما الوجه الأول والثاني فقد عرفت آنفا وفي البيان المتقدم حقيقة القول فيهما بما لا مزيد عليه وأما الوجه الثالث فتحريم عمر لها سواء كان ذلك باجتهاد منه أو باستناده إلى تحريم النبي ( ص ) كما يدعيه هذا القائل وسواء كان سكوت الصحابة عنه هيبة له وخوفا من تهديده أو إقرارا له في تحريمه كما ذكره أو لعدم وقوعه موقع قبول الناس منهم كما يدل عليه الروايات عن علي وجابر وابن مسعود وابن عباس فتحريمه وحلفه على رجم مستحلها
الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 152 | عبد الرحمن الجزيري / السيد محمد الغروي / ياسر مازح