فَكَانُوا مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إذْ دَانُوا بِدِيَانَةِ الْمَجُوسِ وَتَمَسَّكُوا بِأَقْوَالِهِمْ وَمَالُوا إلَى أَضَالِيلِهِمْ ، وَقَنَّطُوا النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَآيَسُوهُمْ مِنْ رَوْحِهِ ، وَحَكَمُوا عَلَى الْعُصَاةِ بِالنَّارِ وَالْخُلُودِ خِلَافاً لِقَوْلِ اللَّهِ : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا خِلَافاً لِمَا جَاءَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : { إنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْماً بَعْدَ مَا امْتُحِشُوا فِيهَا وَصَارُوا حُمَماً } وَدَفَعُوا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَجْهٌ مَعَ قَوْلِهِ : { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ يَدَانِ مَعَ قَوْلِهِ : { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ عَيْنَانِ مَعَ قَوْلِهِ { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } ، وَقَوْلِهِ : { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ، وَنَفَوْا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ : { إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا } .
وَأَنَا ذَاكِرٌ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ بَاباً بَاباً ، وَبِهِ الْمَعُونَةُ وَمِنْهُ التَّوْفِيقُ وَالتَّسْدِيدُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ أَنْكَرْتُمْ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ ، فَعَرِّفُونَا قَوْلَكُمْ الَّذِي بِهِ تَقُولُونَ ، وَدِيَانَتَكُمْ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ .
قِيلَ لَهُ : قَوْلُنَا الَّذِي بِهِ نَقُولُ ، وَدِيَانَتُنَا الَّتِي بِهَا نَدِينُ التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ .
وَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَنَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ ، وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُ قَائِلُونَ ، وَلِمَنْ خَالَفَ قَوْلَهُ مُجَانِبُونَ ، لِأَنَّهُ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ وَالرَّئِيسُ الْكَامِلُ الَّذِي أَبَانَ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ عِنْدَ ظُهُورِ الضَّلَالِ وَأَوْضَحَ بِهِ الْمِنْهَاجَ وَقَمَعَ بِهِ بِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ وَزَيْغَ الزَّائِغِينَ وَشَكَّ الشَّاكِّينَ ، فَرَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ إمَامٍ مُقَدَّمٍ وَكَبِيرٍ مُفَهِّمٍ ، وَعَلَى جَمِيعِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ .
وَجُمْلَةُ قَوْلِنَا : أَنَّا نُقِرُّ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لَا نَرُدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً ، وَأَنَّ اللَّهَ إلَهٌ وَاحِدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ لَا إلَهَ غَيْرُهُ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ
الفتاوى الكبرى — صفحة 655
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٥٥