الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَجَحَدُوا عَذَابَ الْقَبْرِ وَأَنَّ الْكُفَّارَ فِي قُبُورِهِمْ يُعَذَّبُونَ ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ، وَدَانُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ نَظِيراً لِقَوْلِ إخْوَانِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا : { إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ كَقَوْلِ الْبَشَرِ ؛ وَأَثْبَتُوا أَنَّ الْعِبَادَ يَخْلُقُونَ الشَّرَّ نَظِيراً لِقَوْلِ الْمَجُوسِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ خَالِقَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَخْلُقُ الْخَيْرَ ، وَالْآخَرُ يَخْلُقُ الشَّرَّ .
وَزَعَمَتْ الْقَدَرِيَّةُ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْخَيْرَ وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَخْلُقُ الشَّرَّ ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَاءَ مَا لَا يَكُونُ خِلَافاً لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَا يَشَاءُ لَا يَكُونُ ، وَرَدّاً لِقَوْلِ اللَّهِ : { وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } ، فَأَخْبَرَ أَنَّا لَا نَشَاءُ شَيْئاً ، إلَّا وَقَدْ شَاءَ أَنْ نَشَاءَهُ ، وَلِقَوْلِهِ : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا } ، وَلِقَوْلِهِ : { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } ، وَلِقَوْلِهِ مُخْبِراً عَنْ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ : { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا } ( ) .
وَلِهَذَا سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، لِأَنَّهُمْ دَانُوا بِدِيَانَةِ الْمَجُوسِ ، وَضَاهَوْا قَوْلَهُمْ ، وَزَعَمُوا أَنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ خَالِقَيْنِ كَمَا زَعَمَتْ الْمَجُوسُ ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ الشَّرِّ مَا لَا يَشَاؤُهُ اللَّهُ كَمَا قَالَتْ الْمَجُوسُ ذَلِكَ ؛ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ الضُّرَّ وَالنَّفْعَ لِأَنْفُسِهِمْ رَدّاً لِقَوْلِ اللَّهِ : { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } ، وَانْحِرَافاً عَنْ الْقُرْآنِ وَعَمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ .
وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ يَنْفَرِدُونَ بِالْقُدْرَةِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ دُونَ رَبِّهِمْ ، وَأَثْبَتُوا لِأَنْفُسِهِمْ غِنًى عَنْ اللَّهِ وَوَصَفُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْقُدْرَةِ عَلَى مَا لَمْ يَصِفُوا اللَّهَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، كَمَا أَثْبَتَتْ الْمَجُوسُ لِلشَّيْطَانِ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الشَّرِّ مَا لَمْ يُثْبِتُوهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 654
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٥٤