تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 648

مساهمون:

ص٦٤٨
لَهُ كَلَامٌ إنَّمَا خَلَقَ كَلَاماً ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ تَكَلَّمَ مَرَّةً فَهُوَ مُتَكَلِّمٌ بِهِ مُذْ تَكَلَّمَ لَمْ يَنْقَطِعْ الْكَلَامُ وَلَا يُوجَدُ كَلَامُهُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ هُوَ بِهِ . ثُمَّ تَقُولُونَ : لَيْسَ هُوَ فِي مَكَان : ثُمَّ قَالُوا : لَيْسَ هُوَ صَوْتٌ وَلَا حُرُوفٌ ، وَقَالُوا هَذَا زَاجٌ وَوَرَقٌ ، وَهَذَا صُوفٌ وَخَشَبٌ ، وَهَذَا إنَّمَا قُصِدَ بِهِ النَّفْسُ وَأُرِيدَ بِهِ النَّقْرُ ، وَهَذَا صَوْتُ الْقَارِئِ مَا تَرَى مِنْهُ حَسَنٌ وَمِنْهُ قَبِيحٌ ؛ وَهَذَا لَفْظُهُ أَوَ مَا تَرَاهُ يُجَازِي بِهِ حَتَّى قَالَ رَأْسٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ : أَوَ يَكُونُ قُرْآنٌ مِنْ لَبَدٍ ؟ وَقَالَ آخَرُ مِنْ خَشَبٍ ؛ فَرَاعُوا فَقَالُوا هَذَا حِكَايَةٌ عُبِّرَ بِهَا عَنْ الْقُرْآنِ ، وَاَللَّهُ تَكَلَّمَ مَرَّةً وَلَا يَتَكَلَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ . ثُمَّ قَالُوا : غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَهَذَا مِنْ فُخُوخِهِمْ يَصْطَادُونَ بِهِ قُلُوبَ عَوَامِّ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَوْجُودٍ لَفَظَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ الذُّكُورُ بِمَرَّةٍ ، وَالْأَشْعَرِيَّةُ الْإِنَاثُ بِعَشْرِ مَرَّاتٍ . وَهَؤُلَاءِ قَالُوا : لَا صِفَةَ ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : وَجْهٌ كَمَا يُقَالُ وَجْهُ النَّهَارِ وَوَجْهُ الْأَمْرِ وَوَجْهُ الْحَدِيثِ ، وَعَيْنٌ كَعَيْنِ الْمَتَاعِ ، وَسَمْعٌ كَأُذُنِ الْجِدَارِ ، وَبَصَرٌ كَمَا يُقَالُ جِدَارُهُمَا يَتَرَاءَانِ ، وَيَدٌ كَيَدِ الْمِنَّةِ وَالْعَطِيَّةِ ، وَالْأَصَابِعُ كَقَوْلِهِمْ خُرَاسَانَ بَيْنَ أَصَابِعِ الْأَمِيرِ ، وَالْقَدَمَانِ كَقَوْلِهِمْ جَعَلْت الْخُصُومَةَ تَحْتَ قَدَمِي ، وَالْقَبْضَةُ كَمَا قِيلَ فُلَانٌ فِي قَبْضَتِي ، أَيْ : أَمْلِكُ أَمْرَهُ . وَقَالُوا : الْكُرْسِيُّ الْعِلْمُ ؛ وَالْعَرْشُ الْمُلْكُ ؛ وَالضَّحِكُ الرِّضَا ؛ وَالِاسْتِوَاءُ الِاسْتِيلَاءُ وَالنُّزُولُ الْقَبُولُ ، وَالْهَرْوَلَةُ مِثْلُهُ ؛ فَشَبَّهُوا مِنْ وَجْهٍ وَأَنْكَرُوا مِنْ وَجْهٍ ؛ وَخَالَفُوا السَّلَفَ وَتَعَدَّوْا الظَّاهِرَ وَرَدُّوا الْأَصْلَ وَلَمْ يُثْبِتُوا شَيْئاً وَلَمْ يُبْقُوا مَوْجُوداً ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالْعِبَارَةِ بِالْأَلْسِنَةِ ؛ فَقَالُوا لَا نُفَسِّرُهَا بِجَرْيِهَا عَرَبِيَّةً كَمَا وَرَدَتْ . وَقَدْ تَأَوَّلُوا تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ الْخَبِيثَةَ أَرَادُوا بِهَذِهِ الْمَخْرَقَةِ أَنْ يَكُونَ عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ أَبْعَدَ غِيَاباً عَنْهَا وَأَعْيَا ذَهَاباً مِنْهَا لِيَكُونُوا أَوْحَشَ عِنْدَ ذِكْرِهَا وَأَشْمَسَ عِنْدَ سَمَاعِهَا وَكَذَبُوا ، بَلْ التَّفْسِيرُ أَنْ يُقَالَ وَجْهٌ ، ثُمَّ يُقَالُ : كَيْفَ ؟ وَلَيْسَ كَيْفَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ مَقَالِ الْمُسْلِمِينَ . فَأَمَّا الْعِبَارَةُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } ( ) وَإِنَّمَا قَالُوا
الفتاوى الكبرى — صفحة 648 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا