وَيُخَاوِضُونَ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْمِلُونَ الطَّيَالِسَةَ ، فَأَفْصَحُوا بِمَعَانِيهِمْ وَصَاحُوا بِسُوءِ ضَمَائِرِهِمْ .
وَنَادَوْا عَلَى خَبَايَا نُكَتِهِمْ .
فَيَا طُولَ مَا لَقُوا فِي أَيَّامِهِمْ مِنْ سُيُوفِ الْخُلَفَاءِ وَأَلْسُنِ الْعُلَمَاءِ وَهِجْرَانِ الدَّهْمَاءِ ، فَقَدْ شُحِنَتْ كُتُبُ تَكْفِيرِ الْجَهْمِيَّةِ مِنْ مَقَالَاتِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِيهِمْ ، وَدَأْبِ الْخُلَفَاءِ فِيهِمْ ، وَدَقِّ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ ، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إخْرَاجِهِمْ مِنْ الْمِلَّةِ .
ثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ الْوَحْشَةُ ، وَطَالَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ ، وَأَعْيَتْهُمْ الْحِيلَةُ ، إلَّا أَنْ يُظْهِرُوا الْخِلَافَ لِأَوَّلِيهِمْ وَالرَّدَّ عَلَيْهِمْ ، وَيَصُفُّوا كَلَامَهُمْ صَفّاً يَكُونُ أَلْوَحَ لِلْأَفْهَامِ وَأَنْجَعَ فِي الْعَوَامّ مِنْ أَسَاسِ أَوَّلِهِمْ ، لِيَجِدُوا بِذَلِكَ الْمَسَاغَ وَيَتَخَلَّصُوا مِنْ خِزْيِ الشَّنَاعَةِ ، فَجَاءَتْ بِمَخَارِيقَ تَتَرَاءَى لِلْغَبِيِّ بِغَيْرِ مَا فِي الْحَشَايَا .
يَنْظُرُ النَّاظِرُ الْفَهْمَ فِي حَذَرِهَا فَيَرَى مُخَّ الْفَلْسَفَةِ يَكْسُو لِحَاءَ السُّنَّةِ ، وَعَقْدَ الْجَهْمِيَّةِ يَنْحَلُ أَلْقَابَ الْحِكْمَةِ ، ، يَرُدُّونَ عَلَى الْيَهُودِ قَوْلَهُمْ : { يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } فَيُنْكِرُونَ الْغُلَّ ، وَيُنْكِرُونَ الْيَدَ ، فَيَكُونُونَ أَسْوَأَ حَالاً مِنْ الْيَهُودِ ، لِأَنَّ اللَّهَ أَثْبَتَ الصِّفَةَ وَنَفَى الْعَيْبَ وَالْيَهُودُ أَثْبَتَتْ الصِّفَةَ وَأَثْبَتَتْ الْعَيْبَ ، وَهَؤُلَاءِ نَفَوْا الصِّفَةَ كَمَا نَفَوْا الْعَيْبَ .
وَيَرُدُّونَ عَلَى النَّصَارَى فِي مَقَالِهِمْ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ ، فَيَقُولُونَ : لَا يَكُونُ فِي الْمَخْلُوقِ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ ، فَيُبْطِلُونَ الْقُرْآنَ ، فَلَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ أَنَّ كَلَامَ أَوَّلِيهِمْ وَكَلَامَ آخِرِيهِمْ كَخَيْطِ السَّحَّارَةِ ، ، فَاسْمَعُوا الْآنَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ، وَانْظُرُوا مَا فَضَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى أُولَئِكَ : أُولَئِكَ قَالُوا - قَبَّحَ اللَّهُ مَقَالَتَهُمْ - إنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ بِكُلِّ مَكَان ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لَيْسَ هُوَ فِي مَكَان ، وَلَا يُوصَفُ بِأَيْنَ .
وَقَدْ قَالَ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ لِجَارِيَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ " أَيْنَ اللَّهُ " ؟ .
وَقَالُوا : هُوَ مِنْ فَوْقُ كَمَا هُوَ مِنْ تَحْتُ ، لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ وَلَا يُوصَفُ بِمَكَانٍ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي السَّمَاءِ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْأَرْضِ ، وَأَنْكَرُوا الْجِهَةَ وَالْحَدَّ ؛ وَقَالَ أُولَئِكَ : لَيْسَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 647
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٤٧