ثُمَّ أَنْتُمْ إنَّمَا اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَى الْمُتَفَلْسِفَةِ بِأَنَّ مَا قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقَدِيمَ تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ ، وَلَمَّا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ مَا قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ أَلْزَمُوكُمْ أَوَّلَ الْحَوَادِثِ فَقَالُوا ذَلِكَ الْحَادِثُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِحُدُوثِهِ سَبَبٌ ، فَإِنْ كَانَ لِحُدُوثِهِ سَبَبٌ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ دَلِيلَكُمْ عَلَيْهِمْ إذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ ، وَامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحُدُوثِهَا سَبَبٌ جَازَ تَرْجِيحُ أَحَدِ طَرَفَيْ الْمُمْكِنِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ ، وَهَذَا يُبْطِلُ جَمِيعَ أُصُولِكُمْ وَأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ ، وَيُبْطِلُ إثْبَاتَكُمْ بِوُجُودِ الصَّانِعِ .
فَأَنْتُمْ مَعَ الْفَلَاسِفَةِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ تُجَوِّزُوا حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا فَيَبْطُلُ دَلِيلُكُمْ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَثْبَتُّمْ بِهِ حُدُوثَ الْعَالَمِ وَهُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ عِنْدَكُمْ .
وَإِمَّا أَنْ لَا تُجَوِّزُوا ذَلِكَ فَيَبْطُلَ أَيْضاً دَلِيلُكُمْ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ ، فَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ دَلِيلُكُمْ الَّذِي هُوَ أَصْلُ أُصُولِكُمْ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ بَاطِلٌ .
وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَهُمْ يُوَافِقُونَكُمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، لَكِنْ خِطَابُ الْفَلَاسِفَةِ لَهُمْ كَخِطَابِ الْفَلَاسِفَةِ لَكُمْ ؛ وَأَمَّا خِطَابُ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَكُمْ : إذَا مَا سَلَّمْتُمْ أَنَّ مَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ لَا يَكُونُ إلَّا جِسْماً إذْ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْقُولِ بَيْنَ قِيَامِ الْأَعْرَاضِ وَالْحَوَادِثِ ، وَإِذَا كَانَ مَا قَامَ بِهِ الْأَعْرَاضُ لَا يَكُونُ إلَّا جِسْماً ، وَأَنْتُمْ قَدْ قُلْتُمْ تَقُومُ بِهِ الصِّفَاتُ ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ الْأَعْرَاضُ ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ جِسْماً ، وَالْجِسْمُ حَادِثٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حَادِثاً .
وَيَقُولُ لَكُمْ الْمُعْتَزِلِيُّ : إنَّ قِيَامَ الْكَلَامِ وَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِمَحَلٍّ لَيْسَ بِجِسْمٍ ؛ وَدَعْوَى أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ أَعْرَاضاً أَمْرٌ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ .
وَكَانَ جَوَابُكُمْ لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ قُلْتُمْ لَهُمْ : كَمَا اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَيٌّ عَالِمٌ قَادِرٌ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ ، وَلَيْسَتْ أَعْرَاضاً وَتَقُومُ بِهِ ، وَلَا يَكُونُ جِسْماً .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَيْسَ بِعِلْمِيٍّ ، وَلَا يُحْمَلُ بِهِ انْقِطَاعُ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ ، إذْ يُقَالُ لَكُمْ : الْمُعْتَزِلَةُ مُخْطِئُونَ إمَّا فِي قَوْلِكُمْ إنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ تَثْبُتُ لِغَيْرِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 645
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٤٥