تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 649

مساهمون:

ص٦٤٩
هُمْ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَحَكَاهَا عَنْهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَكَانَ يُكْتَبُ لِرَسُولِ اللَّهِ كِتَابَةً بِالْعَرَبِيَّةِ فِيهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ ، فَيُعَبِّرُ بِالْأَلْسِنَةِ عَنْهَا ، وَيُكْتَبُ إلَيْهِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَيُعَبِّرُ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يُدْعَى بِكُلِّ لِسَانٍ بِأَسْمَائِهِ فَيُجِيبُ وَيُحْلَفُ بِهَا فَيَلْزَمُ وَيُنْشَدُ فَيُجَازِي ، وَيُوصَفُ فَيُعْرَفُ . ثُمَّ قَالُوا : لَيْسَ ذَاتُ الرَّسُولِ بِحُجَّةٍ ، وَقَالُوا : مَا هُوَ بَعْدَمَا مَاتَ بِمُبَلِّغٍ فَيَلْزَمُ بِهِ الْحُجَّةُ ، فَسَقَطَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ رَبٌّ ، وَلَا فِي الرَّوْضَةِ رَسُولٌ وَلَا فِي الْأَرْضِ كِتَابٌ ، كَمَا سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ عَمَّارٍ يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا مَوَّهُوهَا وَوَرَّوْا عَنْهَا وَاسْتَوْحَشُوا مِنْ تَصْرِيحِهَا ، فَإِنَّ حَقَائِقَهَا لَازِمَةٌ لَهُمْ ؛ وَأَبْطَلُوا التَّقْلِيدَ ، فَكَفَّرُوا آبَاءَهُمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ ، وَعَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ . وَأَوْجَبُوا النَّظَرَ فِي الْكَلَامِ وَاضْطَرُّوا إلَيْهِ الدِّينَ بِزَعْمِهِمْ ، فَكَفَّرُوا السَّلَفَ وَسَمَّوْا الْإِثْبَاتَ تَشْبِيهاً ، فَعَابُوا الْقُرْآنَ وَضَلَّلُوا رَسُولَ اللَّهِ . فَلَا يَكَادُ يُرَى مِنْهُمْ رَجُلاً وَرِعاً ، وَلَا لِلشَّرِيعَةِ مُعَظِّماً وَلَا لِلْقُرْآنِ مُحْتَرِماً وَلَا لِلْحَدِيثِ مُوَقِّراً ، سُلِبُوا التَّقْوَى وَرِقَّةَ الْقَلْبِ وَبَرَكَةَ التَّعَبُّدِ وَوَقَارَ الْخُشُوعِ . وَاسْتَفْضَلُوا الرَّسُولَ فَانْظُرْ أَنْتَ إلَى أَحَدِهِمْ إذْ لَا هُوَ طَالِبُ أَثَرِهِ وَلَا مُتَّبِعُ أَخْبَارِهِ وَلَا مُنَاضِلٌ عَنْ سُنَّتِهِ وَلَا هُوَ رَاغِبٌ فِي أُسْوَتِهِ يَتَلَقَّبُ بِمَرْتَبَةِ الْعِلْمِ وَمَا عَرَفَ حَدِيثاً وَاحِداً ، تَرَاهُ يَهْزَأُ بِالدِّينِ وَيَضْرِبُ لَهُ الْأَمْثَالَ وَيَتَلَعَّبُ بِأَهْلِ السُّنَّةِ وَيُخْرِجُهُمْ أَصْلاً مِنْ الْعِلْمِ . لَا تَنْقُرُ لَهُمْ عَنْ بِطَانَةٍ إلَّا خَانَتْك ، وَلَا عَنْ عَقِيدَةٍ إلَّا أَرَابَتْك ، أَلَيْسُوا ظَلَمَةَ الْهَوَى وَسُلِبُوا هَيْبَةَ الْهُدَى ، فَتَنْبُو عَنْهُمْ الْأَعْيُنُ وَتَشْمَئِزُّ مِنْهُمْ الْقُلُوبُ وَقَدْ شَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ رَأْسَهُمْ عَلِيَّ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ لَا يَسْتَنْجِي وَلَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يُصَلِّي . قَالَ : وَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ الْعُمَرِيَّ النَّسَّابَةَ أَخْبَرَنَا الْمُعَافِي سَمِعَتْ أَبَا الْفَضْلِ الْحَارِثِيَّ الْقَاضِي بِسَرْخَسَ يَقُولُ سَمِعْت زَاهِرَ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ : أَشْهَدُ لَمَاتَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ مُتَحَيِّراً لِمَسْأَلَةِ تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ ، فَلَا هُدَى اللَّهِ أَنَاطَ مَخَارِيقَهُ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ الْمُطَّلِبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ مِنْ أَبَرِّ خَلْقِ اللَّهِ قَلْباً وَأَصْوَبِهِمْ صَمْتاً وَأَهْدَاهُمْ هَدْياً وَأَعْمَقِهِمْ قَلْباً وَأَقَلِّهِمْ تَعَمُّقاً وَأَقْرَبِهِمْ لِلدِّينِ وَأَبْعَدِهِمْ مِنْ التَّنَطُّعِ وَأَنْصَحِهِمْ لِخَلْقِ اللَّهِ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً .
الفتاوى الكبرى — صفحة 649 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا