الصَّيْدِ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ اُسْتُحِلَّ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ ، فَصَارَ كَذَكَاتِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْحَلْقِ .
أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَشْعُرْ ، وَإِنَّمَا الْحَلَالُ قَصَدَ أَنْ يَصِيدَهُ لِيَضِيفَهُ بِهِ ، أَوْ لِيَهَبَهُ لَهُ أَوْ لِيَبِيعَهُ إيَّاهُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَهُ عَلَيْهِ بِنِيَّةٍ صَدَرَتْ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلْمُحْرِمِ سَبَبٌ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، وَلِيُتِمَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ وَصِيَانَتَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُحْرِمِ بِكُلِّ طَرِيقٍ ، فَإِذَا ذَبَحَ الصَّيْدَ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُ ظَاهِراً وَلَا بَاطِناً جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَهُ ضِمْناً وَتَبَعاً لَا أَصْلاً وَقَصْداً .
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الصَّيْدِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَأَبَاحَهَا لَهُ إذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ الصَّيْدَ وَأَحَلَّهُ لَهُ إذَا ذَبَحَهُ غَيْرُهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ إنَّمَا قَصَدَ بِالنِّكَاحِ أَنْ تَعُودَ إلَى الْأَوَّلِ ، فَهُوَ كَمَا إذَا قَصَدَ ذَلِكَ الْغَيْرُ بِالذَّبْحِ أَنْ يُحِلَّ لِلْمُحْرِمِ ، فَإِنَّ الْمَنَاكِحَ وَالذَّبَائِحَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْحَظْرِ حَتَّى يَفْعَلَ السَّبَبَ الْمُبِيحَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ .
وَيَتَأَيَّدُ هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الذَّبْحَ لَا يُحَلِّلُ الْبَهِيمَةَ حَتَّى يَقْصِدَ بِهِ أَكْلَهَا فَلَوْ قَصَدَ بِهِ جَعْلَهَا غَرَضاً وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ وَغَيْرُهُمَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْمِلْكَ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْعُقُودِ لَمْ يُفِدْ حُكْمَهُ إذَا قَصَدَ الْإِحْلَالَ لِلْغَيْرِ ، أَوْ إجَازَةَ قَرْضٍ بِمَنْفَعَةٍ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِصَدَاقٍ يَنْوِي أَنْ لَا يُؤَدِّيَهُ إلَيْهَا فَهُوَ زَانٍ وَمَنْ أَدَانَ دَيْناً يَنْوِي أَنْ لَا يَقْضِيَهُ فَهُوَ سَارِقٌ } .
رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْتَرِيَ وَالْمُسْتَنْكِحَ إذَا قَصَدَا أَنْ لَا يُؤَدِّيَا الْعِوَضَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَحَلَّ الْفَرْجَ وَالْمَالَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَيَكُونُ كَالزَّانِي وَالسَّارِقِ فِي الْإِثْمِ .
وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ } ، فَهَذِهِ النُّصُوصُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقَاصِدَ تُفِيدُ أَحْكَامَ التَّصَرُّفَاتِ مِنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 59
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٩