تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا . وَالْأَحْكَامُ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَيْضاً ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا اشْتَرَى ، أَوْ اسْتَأْجَرَ ، أَوْ اقْتَرَضَ وَنَوَى أَنَّ ذَلِكَ لِمُوَكِّلِهِ ، أَوْ لِمُوَلِّيهِ كَانَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فِي الْعَقْدِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَهُ وَقَعَ الْمِلْكُ لِلْعَاقِدِ . وَكَذَلِكَ لَوْ تَمَلَّكَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الصَّيْدِ وَالْحَشِيشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَنَوَى أَنَّهُ لِمُوَكِّلِهِ وَقَعَ الْمِلْكُ لَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدٍ لَمَّا اشْتَرَكَ هُوَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٌ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ . نَعَمْ لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُوَكِّلِ ، لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ السِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ فَافْتَقَرَ الْعَقْدُ إلَى تَعْيِينِهِ لِذَلِكَ ، لَا لِأَجْلِ كَوْنِهِ مَعْقُوداً لَهُ . وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِمَالِكَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عِنْدَ تَغَيُّرِ النِّيَّةِ ثَبَتَ أَنَّ لِلنِّيَّةِ تَأْثِيراً فِي التَّصَرُّفَاتِ . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَضَى عَنْ غَيْرِهِ دَيْناً ، أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ نَفَقَةً وَاجِبَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ يَنْوِي التَّبَرُّعَ وَالْهِبَةَ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ بِالْبَذْلِ . وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَلَهُ الرُّجُوعُ إنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِإِذْنِهِ وِفَاقاً ، وَبِغَيْرِ ، إذْنِهِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ . فَصُورَةُ الْفِعْلِ وَاحِدَةٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ ، هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَاتِ ، أَوْ مِنْ بَابِ أَكْثَرِ التَّبَرُّعَاتِ بِالنِّيَّةِ ؟ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ إلَى غَيْرِهِ مَالاً رِبَوِيّاً بِمِثْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَتَقَابَضَا ، وَجَوَّزَ الدَّفْعَ عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ ، وَقَدْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ هَذَا يَقْبِضُ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ يُعْطِي مِثْلَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِلْمَقَاصِدِ ، فَإِنَّ مَقْصُودَ الْقَرْضِ إرْفَاقُ الْمُقْتَرِضِ وَنَفْعُهُ لَيْسَ مَقْصُودُهُ الْمُعَاوَضَةَ وَالرِّبْحَ ، وَلِهَذَا شُبِّهَ بِالْعَارِيَّةِ حَتَّى سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِيحَةَ وَرِقٍ ، فَكَأَنَّهُ أَعَارَهُ الدَّرَاهِمَ ، ثُمَّ اسْتَرْجَعَهَا مِنْهُ لَكِنْ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِرْجَاعُ الْعَيْنِ فَاسْتَرْجَعَ الْمِثْلَ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَبَرَّعَ لِغَيْرِهِ بِمَنْفَعَةِ حَالِهِ ، ثُمَّ اسْتَعَادَ الْعَيْنَ . وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ دِرْهَماً بِدِرْهَمَيْنِ كَانَ رِباً مُحَرَّماً ، وَلَوْ بَاعَهُ دِرْهَماً بِدِرْهَمٍ وَوَهَبَهُ دِرْهَماً هِبَةً مُطْلَقَةً لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْبَيْعِ ظَاهِراً وَلَا بَاطِناً كَانَ ذَلِكَ جَائِزاً . فَلَوْلَا اعْتِبَارُ الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ لَأَمْكَنَ كُلَّ مُرْبٍ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ أَلْفاً بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لِاخْتِلَافِ النَّقْدِ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك أَلْفاً بِأَلْفٍ ، وَوَهَبْتُك خَمْسَمِائَةٍ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْهِبَةَ إنَّمَا كَانَتْ لِأَجْلِ اشْتِرَائِهِ مِنْهُ تِلْكَ الْأَلْفَ فَتَصِيرُ دَاخِلَةً
الفتاوى الكبرى — صفحة 60 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا