فِي الْمُعَاوَضَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاهِبَ لَا يَهَبُ إلَّا لِلْأَجْرِ فَتَكُونُ صَدَقَةً ، أَوْ لِكَرَامَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَتَكُونُ هَدِيَّةً ، أَوْ لِمَعْنًى آخَرَ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَمَا لَوْ وَهَبَ لِلْمُقْرِضِ ، أَوْ وَهَبَ لِعَامِلِ الزَّكَاةِ شَيْئاً وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ .
وَالْمُقْرِضُ الْمَحْضُ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ إلَّا مِثْلُ مَالِهِ جِنْساً وَنَوْعاً وَقَدْراً بِخِلَافِ الْبَائِعِ ، فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُ دِرْهَماً بِدِرْهَمٍ يُسَاوِيهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ نَسِيئَةً ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا غَرَضَ لَهُ فِي مِثْلِ هَذَا ، وَإِنَّمَا يَبِيعُ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَرْفَعَ سِكَّةً ، أَوْ مَصُوغاً ، أَوْ أَجْوَدَ فِضَّةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ ، فَإِذَا قَابَلَتْ الصِّفَةُ جِنْسَهَا فِي الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ لَهَا قِيمَةٌ - فِي بَابِ الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ وَالْقَرْضِ - يَعْتَبِرُهَا الشَّارِعُ لِأَنَّ الْعِوَضَ هُنَاكَ ثَبَتَ شَرْعاً لَا شَرْطاً فَصَارَ مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي الْقَرْضِ وَالْإِتْلَافِ لَا يُقْصَدُ فِي الْبَيْعِ وَمَا يُقْصَدُ فِي الْبَيْعِ أَهْدَرَهُ الشَّارِعُ .
ثُمَّ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَا التَّصَرُّفِ وَهَذَا هُوَ الْقَصْدُ وَالنِّيَّةُ ، فَلَوْلَا مَقَاصِدُ الْعِبَادِ وَنِيَّاتُهُمْ لَمَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ثُمَّ الْأَسْمَاءُ تَتْبَعُ الْمَقَاصِدَ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ الْأَحْكَامَ اخْتَلَفَتْ بِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظٍ لَمْ تَخْتَلِفْ مَعَانِيهَا وَمَقَاصِدُهَا ، بَلْ لَمَّا اخْتَلَفَتْ الْمَقَاصِدُ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا وَأَحْكَامُهَا ، وَإِنَّمَا الْمَقَاصِدُ حَقَائِقُ الْأَفْعَالِ وَقِوَامُهَا ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عُقُودِ الْمُكْرَهِ وَأَقْوَالِهِ مِثْلِ : بَيْعِهِ ، وَقَرْضِهِ ، وَرَهْنِهِ ، وَنِكَاحِهِ ، وَطَلَاقِهِ ، وَرَجْعَتِهِ ، وَيَمِينِهِ ، وَنَذْرِهِ ، وَشَهَادَتِهِ ، وَحُكْمِهِ ، وَإِقْرَارِهِ ، وَرِدَّتِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا مِنْهُ مُلْغَاةٌ مُهْدَرَةٌ وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى بَعْضِهِ الْقُرْآنُ مِثْلُ قَوْلِهِ : { إلَّا مَنْ أُكْرِهَ } وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } .
وَالْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي غِلَاقٍ } - أَيْ إكْرَاهٍ ، إلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 61
مساهمون: ابن تيمية
ص٦١