تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
الْوَجْهِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا جَاءَ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّمَا قَالَ غُلِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَلَمْ يَقُلْ غُدِرَ بِي وَلَا مُكِرَ بِي وَلَا خُدِعْت ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَزَوِّجُ قَدْ وَاطَأَهُ عَلَى أَنْ يَخْلَعَهَا أَوْ يُطَلِّقَهَا لَكَانَتْ شِكَايَتُهُ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَاحْتِجَاجُهُ بِهِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ غُلِبْتُ عَلَى امْرَأَتِي . فَإِنَّ أَقَلَّ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ يَكُونُ قَدْ حَدَّثَهُ فَكَذَبَهُ وَوَعَدَهُ فَأَخْلَفَهُ ، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ضَعِيفٌ . فَإِنَّ عُمَرَ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ هَلْ نَوَيْت التَّحْلِيلَ وَقْتَ الْعَقْدِ أَمْ لَمْ تَنْوِهِ ، وَلَوْ كَانَ مَنَاطُ الْحُكْمِ ذَلِكَ لَوَجَبَ الِاسْتِفْصَالُ ، وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْ الْمَالِكِيَّةِ يَقُولُ إذَا وَطِئَ الزَّوْجُ عَلَى التَّحْلِيلِ وَقَصَدَ هُوَ وَقْتَ الْعَقْدِ الرَّغْبَةَ وَلَمْ يُعْلِمْهُمْ بِذَلِكَ ، فَهُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ وَالشَّرْطِ الْمُقَارِنِ ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَاطَأَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْعَقْدِ وَاعْتِقَادِ التَّحْلِيلِ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَقَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الشُّرُوطَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَارَنَةِ إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً ، وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً أَثَّرَتْ فِي الْعَقْدِ فِي الْمَذْهَبَيْنِ جَمِيعاً ، بَلْ هَذِهِ الصُّورَةُ أَبْلَغُ فِي الْبُطْلَانِ مِنْ الِاعْتِقَادِ الْمُجَرَّدِ ، فَلِهَذَا لَمْ يُرَخِّصْ أَحَدٌ مِنْ التَّابِعِينَ فِي الْمُوَاطَأَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ الرُّخْصَةُ فِي الِاعْتِقَادِ الْمُجَرَّدِ ، فَإِنَّ هَذَا تَلْبِيسٌ مُدَلِّسٌ عَلَى الْقَوْمِ ، وَالنِّكَاحُ الَّذِي قَصَدَهُ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ وَلَمْ يُعَاقِدُوهُ عَلَيْهِ ، وَالنِّكَاحُ الَّذِي رَضَوْا بِهِ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِرِضَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ التَّابِعِ لِرِضَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَإِذَا تَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ بَاطِلٌ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ وَاطَأُوهُ عَلَى أَنْ يُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ ، وَلَا أَشْعَرُوهُ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ ، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُمْ وَاطَأُوهُ عَلَى أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً ثُمَّ يُطَلِّقَهَا ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، الَّذِي يَكُونُ لِلزَّوْجِ فِيهِ رَغْبَةٌ فِي النِّكَاحِ إلَى وَقْتٍ ، وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ قَدْ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَهُ صَدْراً مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، حَتَّى أَظْهَرَ عُمَرُ السُّنَّةَ بِتَحْرِيمِهِ ، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، ثُمَّ النِّكَاحُ الْمَشْرُوطُ فِيهِ الطَّلَاقُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَصِحُّ فِيهِ مِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ ، إنَّمَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ إذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ حَقٌّ لَهَا كَالصَّدَاقِ مَثَلاً ، وَلِهَذَا لَمَّا طُلِبَ مِنْ الرَّجُلِ الطَّلَاقَ رَدَّ الْأَمْرَ إلَيْهَا فَلَمْ تَطْلُبْهُ ، وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تَطْلُبْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ فَإِنَّهُ يَنْقَضِي بِمُضِيِّ الْوَقْتِ ، وَقَوْلُهَا لَهُ فَإِنَّ عُمَرَ لَا يُجْبِرُك عَلَى طَلَاقِي