تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
لِأَنَّ الطَّلَاقَ حَقٌّ لَهَا وَعُمَرُ لَا يُجْبِرُ عَلَى تَوْفِيَةِ حَقٍّ لَمْ يَطْلُبْهُ صَاحِبُهُ ، بَلْ عَفَا عَنْهُ ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَظْهَرَ بَعْدَ هَذَا تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ وَحِكَايَةُ حَالٍ ، وَالْحَاكِي لَهَا يَشْهَدُهَا لِيَسْتَوْفِيَ صِفَتَهَا ، فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ لَمَّا رَغِبَتْ فِي الرَّجُلِ وَهُوَ قَدْ رَغِبَ فِيهَا وَهِيَ امْرَأَةٌ ثَيِّبٌ هِيَ أَوْلَى بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ خَاطِبٍ ، قَدْ رَغِبَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ بِإِمْسَاكِهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ لَهُ لَا تُطَلِّقْهَا ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَ فَاسِداً يُسَمَّى طَلَاقاً ، وَإِنْ كَانَتْ فَسْخاً . حَتَّى قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّهُ طَلَاقٌ وَاقِعٌ ، وَهَذَا كَمَا رُوِيَ { عَنْ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَسْلَمْت وَعِنْدِي أُخْتَانِ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُطَلِّقَ إحْدَاهُمَا } ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الطَّلَاقُ الَّذِي يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ . وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ الْإِمْسَاكَ كَانَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ لَا بِذَلِكَ النِّكَاحِ . أَشْيَاءُ : أَحَدُهَا : أَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ كَيْفُ مَوْضِعُك مِنْ قَوْمِك . قَالَ لَيْسَ بِمَوْضِعِي بَأْسٌ . قَالَتْ إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَك أَتُطَلِّقُ امْرَأَتَك فَقُلْ لَا وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا . فَاعْتَبَرَتْ الْمَرْأَةُ كَفَاءَتَهُ بِعِلْمِهَا . بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْأَوْلِيَاءِ بِهَا تَعَلُّقٌ . فَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ الْأَوَّلُ صَحِيحاً لَازِماً . لَمْ يَكُنْ لِلْأَوْلِيَاءِ الِاعْتِرَاضُ بَعْدَ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا يَكُونُ اعْتِرَاضٌ لَهُمْ إذَا أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ، وَوَقَعَ النِّكَاحُ بِلَا رِضَاهُمْ . فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ قَدْ انْعَقَدَ لَازِماً إلَّا أَنْ يُقَالَ كَانَ مَقْصُودُهُمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ كُفْءٍ يُبْطِلُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النِّكَاحَ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَائِلُ لَأَمْنَعَنَّ خُرُوجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ . وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . فَيُقَالُ لَمْ يَكُنْ الْأَوْلِيَاءُ يُمْكِنُهُمْ الطَّعْنُ فِي كَفَاءَتِهِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ تَزْوِيجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ . إنْ كَانَ يَرَى ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ فَلَا يَنْفَعُهُمْ ذِكْرُهُ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَكُونُ فَاسِداً فَلَا يَحْصُلُ التَّحْلِيلُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ فَلَا يَنْفَعُهُمْ ذِكْرُهُ . فَعَلَى التَّقْرِيرَيْنِ لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِذِكْرِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ غَيْرَ لَازِمٍ . وَثَانِيهَا : أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَوْ طَلَّقْتهَا لَأَوْجَعْت رَأْسَك بِالسَّوْطِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا النِّكَاحُ صَحِيحاً يُحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ لَمْ يَنْهَهُ عُمَرُ عَنْ طَلَاقِهَا إذَا أَرْضَوْهُ ، وَهُوَ يَرَى شَغَفَ الْأَوَّلِ بِهَا ، وَصَفْوَ الْأَوْلِيَاءِ إلَيْهِ فَلَمَّا نَهَاهُ عَنْ مُفَارَقَتِهَا كَانَ كَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ