تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
يُسْتَوْفَ لَمْ يَتِمَّ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ ، فَيَصِيرُ الثَّانِي مَبْنِيّاً عَلَيْهِ . وَهَذَا تَعْلِيلٌ خَارِجٌ عَنْ قَاعِدَةِ الْحِيَلِ وَالذَّرَائِعِ أَيْضاً . فَصَارَ لَهَا ثَلَاثَةُ مَآخِذَ ، فَلَمَّا لَمْ يُمْتَحَضْ تَحْرِيمُهَا عَلَى قَاعِدَةِ الْحِيَلِ تَوَقَّفَ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ مَنْ تَوَقَّفَ . وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْحِيَلِ أُعْطِيت حُكْمَ الْحِيَلِ ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ فِيهَا الْمَأْخَذَانِ الْآخَرَانِ ، هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ مَقْصُوداً حَقِيقَةً فَهُوَ صَحِيحٌ ، لَكِنْ مَا دَامَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ الْبَيْعَ بِأَقَلَّ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ الثَّمَنَ رِبَوِيّاً ، لَا يُبَاعُ بِالْأَوَّلِ نَسْئاً ، لِأَنَّ أَحْكَامَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لَا تُسْتَوْفَى إلَّا بِالتَّقَابُضِ ، فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ التَّقَابُضُ كَانَ ذَرِيعَةً إلَى الرِّبَا ، وَإِنْ تَقَابَضَا وَكَانَ الْعَقْدُ مَقْصُوداً فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ كَمَا يَشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ . وَإِذَا كَانَ الطَّرِيقُ إلَى الْحَلَالِ هِيَ الْعُقُودَ الْمَقْصُودَةَ الْمَشْرُوعَةَ الَّتِي لَا خِدَاعَ فِيهَا وَلَا تَحْرِيمَ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُلْحَقَ فِيهَا صُورَةُ عَقْدٍ لَمْ يَقْصِدْ حَقِيقَتَهُ مَنْ مَلَكَ الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ اسْتِحْلَالَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنْ الرِّبَا وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ : { بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيباً } فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الِاحْتِيَالِ بِالْعُقُودِ الَّتِي لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَتَهُ الْأُولَى ، ثُمَّ يَبْتَاعَ بِثَمَنِهَا سِلْعَةً أُخْرَى ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَقْتَضِي الْبَيْعَ الصَّحِيحَ ، وَمَتَى وُجِدَ الْبَيْعَانِ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ جَازَ ذَلِكَ بِلَا رَيْبٍ ، وَنَحْنُ نَقُولُ كُلُّ بَيْعٍ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَلَا يَكُونُ رِباً ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي بُيُوعٍ قَدْ دَلَّتْ السُّنَّةُ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَهَا ، وَإِنْ كَانَ بَيْعاً فَإِنَّهَا رِباً وَهِيَ بَيْعٌ فَاسِدٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَوْ اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي بَيْعٍ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ ، أَوْ فَاسِدٌ ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا إدْخَالَهُ فِي هَذَا اللَّفْظِ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ حَتَّى يُثْبِتَ أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ ، فَمَتَى أَثْبَتَ أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى صِحَّةِ صُورَةِ النِّزَاعِ أَلْبَتَّةَ . وَالنُّكْتَةُ أَنْ يُقَالَ : الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ بِالْبَيْعِ إنَّمَا يَقْتَضِي الْبَيْعَ الصَّحِيحَ . وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ الَّتِي تَوَاطَآ فِيهَا عَلَى الِاشْتِرَاءِ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي شَيْئاً مِنْ جِنْسِ