تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الثَّمَنِ الرِّبَوِيِّ بَيْعٌ صَحِيحٌ ، وَإِنَّمَا الْبَيْعُ الصَّحِيحُ الِاشْتِرَاءُ مِنْ غَيْرِهِ ، أَوْ الِاشْتِرَاءُ مِنْهُ بَعْدَ بَيْعِهِ بَيْعاً مَقْصُوداً ثَابِتاً لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّرَاءَ مِنْهُ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ عُمُومٌ ، لِأَنَّهُ قَالَ : { وَابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيباً } وَالْأَمْرُ بِالْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ لَيْسَ أَمْراً بِشَيْءٍ مِنْ قُيُودِهَا . لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَقَدْرُ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ هُوَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ عَنْ الْآخَرِ وَلَا هُوَ مُلْتَزَماً لَهُ فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِالْمُشْتَرَكِ أَمْراً بِالْمُمَيَّزِ بِحَالٍ ، نَعَمْ مُسْتَلْزِمٌ لِبَعْضِ تِلْكَ الْقُيُودِ لَا بِعَيْنِهِ فَيَكُونُ عَامّاً لَهَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ لِلْأَفْرَادِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، فَقَوْلُهُ مَعَ هَذَا : الثُّبُوتُ لَا يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِبَيْعِهِ مِنْ زَيْدٍ ، أَوْ عَمْرٍ وَلَا بِكَذَا ، أَوْ كَذَا وَلَا بِهَذَا السُّوقِ ، أَوْ هَذِهِ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَكِنْ إذَا أَتَى بِالْمُسَمَّى حَصَلَ مُمَثَّلاً مِنْ جِهَةٍ وَجَدَّدَ تِلْكَ الْحَقِيقَةَ لَا مِنْ جِهَةِ وُجُودِ تِلْكَ الْقُيُودِ ، وَهَذَا الْأَمْرُ لَا خِلَافَ فِيهِ ، لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّ عَدَمَ الْأَمْرِ بِالْقُيُودِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ إذَا أَتَى بِهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ ، وَهَذَا خَطَأٌ . إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ : فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْ الْمُشْتَرِي ، وَلَا أَمَرَهُ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْ غَيْرِهِ فَالْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ لَفْظُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ ، وَلَا عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ مُطَابَقَةً وَلَا تَضَامُناً وَلَا الْتِزَاماً ، كَمَا لَا يَدُلُّ عَلَى بَيْعِهِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ ، أَوْ تَرْكِ قَبْضِهِ وَبَيْعِهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ دُونَ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَبِنَقْدِ الْبَلَدِ ، أَوْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَبِثَمَنٍ حَالٍّ ، أَوْ مُؤَجَّلٍ . فَإِنَّ هَذِهِ الْقُيُودَ خَارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ ، وَلَوْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ اللَّفْظَ يَعُمُّ هَذَا كُلَّهُ كَانَ مُبْطِلاً لَكِنَّ اللَّفْظَ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ إذَا أَتَى بِهَا ، وَإِنَّمَا اُسْتُفِيدَ عَدَمُ الِامْتِثَالِ إذَا بِيعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، أَوْ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ، وَالْأَمْرُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْ الْعُرْفِ الَّذِي يُثْبِتُ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ ، وَكَذَلِكَ أَيْضاً لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يَبِيعُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ مِنْهُ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ دَلَالَةٍ أُخْرَى مُنْفَصِلَةٍ فِيمَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ جَازَ فِعْلُهُ وَمَا لَا فَلَا . وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَوْ كَانَ الِابْتِيَاعُ مِنْ الْمُشْتَرِي حَرَاماً لَنَهَى عَنْهُ ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ بَيَانَ الطَّرِيقِ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ شِرَاءُ التَّمْرِ الْجَيِّدِ لِمَنْ عِنْدَهُ رَدِيءٌ ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ الرَّدِيءَ بِثَمَنٍ ، ثُمَّ يَبْتَاعَ بِالثَّمَنِ جَيِّداً . وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِشُرُوطِ